يرتكب الصهاينة يوميا الكثير من التجاوزات بحق إخواننا بفلسطين، وآخر هذه الجرائم مداهمته لساحات الأقصى.. فمن للمصلين بالأقصى من بطش الاحتلال؟
ملخص المقال
فلسطين بين الانتفاضة والثورة مقال لعبد الستار قاسم يحاول تقييم اندلاع انتفاضة أو ثورة فلسطينية بتعريف المفاهيم وفي ضوء تاريخ فلسطين وعوامل التشجيع والتثبيط
تتساءل وسائل الإعلام عادة عن احتمال اندلاع انتفاضة فلسطينية جديدة كلما رفعت دولة الكيان الصهيوني من منسوب اعتداءاتها على الشعب الفلسطيني وخاصة في الضفة الغربية والأماكن المقدسة.
السؤال المطروح على مدى سنوات من قبل هذه الوسائل: هل ستؤدي هذه الأعمال الصهيونية إلى انتفاضة فلسطينية ثالثة؟ وهل سيتحرك الشعب الفلسطيني في مواجهة إسرائيل؟ علمًا بأن هناك من السياسيين الفلسطينيين من يشجع على طرح هذا السؤال وما يشبهه من أسئلة؛ لأنهم يدلون بدعوات للشعب للخروج في انتفاضة جديدة عسى أن يكون في ذلك ما يكبح جماح الصهاينة..
أحاول في هذا المقال أن أقيِّم احتمال اندلاع انتفاضة أو ثورة فلسطينية بخاصة في الضفة الغربية.
تعريف المفاهيم
قبل الدخول في التحليل من المهم توضيح المفاهيم؛ حتى يكون الكاتب والقارئ على بينة من المعاني المقصودة، أقول أولاً للذين ينتظرون انتفاضة ثالثة: إنهم ينتظرون من الناحية العددية الانتفاضة السادسة والعشرين للشعب الفلسطيني، فمنذ عام 1920م قام الشعب الفلسطيني بانتفاضات عديدة إبان صراعه الطويل ضد الصهاينة وإسرائيل بإصرار منه على إنهاء العدوان والحصول على حقوقه الوطنية.
بدأت الانتفاضات ضد الانتداب البريطاني الذي كان يعمل ما بوسعه لتمكين اليهود من فلسطين وإضعاف قدرات الفلسطينيين على الدفاع عن وطنهم، وما زالت هذه الانتفاضات مستمرة.
لكن الملاحظ أن الانتفاضات الفلسطينية لم تنجح حتى الآن في استعادة أي جزء من الحقوق الوطنية الثابتة؛ وذلك على الرغم من حجم التضحيات الكبير التي يقدمها الشعب في كل انتفاضة، وللمسألة عدة أسباب تقع على رأسها مساومات القيادات الفلسطينية وعدم وجود استراتيجية نضالية شعبية تبرمج العمل وتوجهه وفق معايير علمية ووطنية واضحة.
وربما الفشل مبني على ماهية الانتفاضات، التي هي أعمال جماهيرية تلقائية ناجمة عن شعور باليأس والإحباط.
الانتفاضة ليست ثورة بقيادات منظمة، وإنما هي هبات جماهيرية يعبر من خلالها الناس عن آلامهم ورفضهم للواقع، وينطلقون محتجين بوسائل متعددة لإيصال رسائلهم لقياداتهم وأعدائهم على حد سواء.
الانتفاضة احتجاج، وهي أقل بدرجات من الثورة، وهي جماهيرية، وليست محصورة بتنظيم أو فصيل أو حزب، وغالبًا تنطلق في أوقات الفراغ القيادي واستفحال العدوان؛ أي أن الانتفاضة لا تنطلق في حال وُجد مَنْ يملأ الفراغ، أو في حال وجود حشد للجماهير ليقوم الأفراد بواجباتهم الوطنية وفق مواقعهم الوظيفية والاجتماعية.
أما الثورة فقد تكون جماهيرية؛ لكنها تتميز عن الانتفاضة بالاستمرار والإصرار على الحصول على النتائج المطلوبة والمتمثلة عادة بتغيير جذري في الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وقد تكون بؤرية أو حزبية منظمة ومسلحة؛ لكنها لا تستمر دون ظهير جماهيري.
أي أن الثورة تنطلق نظرًا لوعي واضح حول ما هو مطلوب، وحول الدور الذي يتوجب على كل مشارك أن يقوم به، وهي تشكل قيادة للناس جميعًا، وليست مجرد رد فعل مؤقت يتوقف عند أول منعطف سياسي.
من التاريخ الفلسطيني
هب الناس في فلسطين عام 1936م بانتفاضة كبيرة ضد الإنجليز، وخاضوا إضرابًا طويلاً امتد على مدى ستة أشهر تقريبًا؛ انتفض الناس دون قيادة، ولحق القياديون الفلسطينيون فيما بعد ليشكلوا لجنة لقيادة الإضراب، وأقسموا ألا يوقفوا الإضراب إلا بتحقيق استقلال فلسطين؛ لكنهم حنثوا بالقسم وأوقفوا الإضراب بناء على دعوات من ملوك وأمراء العرب وضغط بريطانيا، وذهبت جهود الناس وتضحياتهم أدراج الرياح.
انتفض الناس عام 1987م، وبدل أن تصر القيادات على إنهاء الاحتلال للأرض الفلسطينية التي احتلت عام 1967م، اعترفت هذه القيادات بإسرائيل؛ فساهمت بمزيد من الضياع الفلسطيني، وتاه الناس على إثرها في مفاوضات عقيمة يدفع الشعب الفلسطيني ثمنها حتى الآن.
ثم خرجت جماهير الشعب الفلسطيني عام 2000م دفاعًا عن الأقصى؛ لكنها لم تستمر في ضغطها؛ لأن المستوى السياسي أخذ يلاحق المشاركين والمصرين على استمرارها.
شهدت هذه الانتفاضة موجات من العمليات الاستشهادية ضد دولة الكيان الصهيوني، وشكلت ضغطًا أمنيًّا هائلاً على الصهاينة دفع آلاف اليهود إلى الرحيل عن فلسطين.
كادت العمليات الاستشهادية أن تشكل ثورة تدفع باليهود خارج فلسطين؛ لكن دولة الكيان الصهيوني اتخذت إجراءات أمنية مشددة منها بناء الجدار الفاصل، وقامت سلطة الفلسطينيين بإجراءات قاسية لملاحقة هذه العمليات وفقًا لالتزاماتها الأمنية تجاه إسرائيل، فضلاً عن أن الذي قاد العمليات الاستشهادية لم يقدم حلولاً للتغلب على الجدار.
قدم الشعب الفلسطيني مع كل انتفاضة تضحيات سخية وغزيرة، وإذا كان لنا أن نقارن بين تضحيات الشعوب التي وقعت تحت الاستعمار أو الاحتلال لوجدنا الشعب الفلسطيني من أكثر هذه الشعوب تضحية وإقدامًا؛ لكن الواضح أن الشعوب الأخرى حققت نتائج عملت على تحصيلها، بينما لا يزال الشعب الفلسطيني يعاني من اعتداءات متصاعدة ضده.
عوامل التشجيع
الآن هناك عوامل عدة تشجع الفلسطيني على الانتفاض، وأيضًا على الثورة؛ أذكر من هذه العوامل التالي:
1- الاعتداءات الصهيونية لا تتوقف؛ وهي تشمل مصادرة أراض وتخريب مصالح اقتصادية، وهدم بيوت، وتوسيع استيطان، ومضايقات من مختلف الأشكال والألوان، وتزداد دولة الكيان الصهيوني شراسة في إجراءاتها واعتداءاتها، ولا تجد من يصدها أو يردعها، إنها تستفيد من الوضع الفلسطيني الداخلي الصعب، ومن الظروف العربية القائمة، والحالة الدولية غير المكترثة بالقضية الفلسطينية.
الناس وخاصة الشباب يرون أنفسهم أقزامًا أمام دولة الكيان، وأنها لا تقيم لهم وزنًا ولا تأبه بردود فعلهم الباردة والباهتة، تولد الممارسات الصهيونية مشاعر جديدة في نفوس الناس مما قد يدفعهم للأخذ بزمام المبادرة وتفجير الوضع.
2- هناك انقسام فلسطيني يتمثل في وجود حكومتين فلسطينيتين، الأمر الذي يثير حفيظة الفلسطيني ويدفعه إلى التفكير بضرورة تغيير هذا الوضع المهين، الذي يزيد الفلسطينيين ضعفًا على ضعف.
هناك استياء عام في الضفة الغربية وغزة، وشعور بالظلم من ذوي القربى؛ فتح تستولي على النعم في الضفة الغربية، وحماس في قطاع غزة، وعلى باقي الشعب أن يتدبروا أمورهم.
3- المفاوضات الفلسطينية تجري دون تحقيق أي إنجاز للشعب الفلسطيني؛ بل إن دولة الكيان الصهيوني هي التي تحقق إنجازات، وذلك من خلال إمعانها بتوسيع مستوطناتها واعتداءاتها على الأماكن المقدسة دون أن يكون هناك من يوقفها.
المفاوضات تستنزف الشعب الفلسطيني، والأفق السياسي شبه مغلق أمام الجمهور الأمر الذي يدفع باتجاه التغيير، والمعنى أن الوضع السياسي العام المتميز باستمرار المفاوضات يشير إلى وجود فراغ سياسي، وهو أحد أهم العوامل التي تؤدي إلى اندلاع انتفاضة جماهيرية.
عوامل التثبيط
هناك عدد من العوامل المثبطة للانتفاضة أو الثورة؛ أذكر منها:
أ- وضع الانقسام الفلسطيني مثبط كما هو مشجع؛ في حالة الانقسام يشعر الناس بالضعف ويتراجعون، ويلوذ الأفراد إلى شئونهم الخاصة تجنبًا للدخول في الفتنة والصراع الداخلي.
ب- الشعب الفلسطيني منهك داخليًّا لأمرين: أولهما فساد السلطة الفلسطينية، وثانيهما عجز السلطة عن استعادة أي جزء من الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني. انتشر الفساد في كل ركن وزاوية بسبب سوء تصرف السلطة، وطال البيوت والمزارع والمدارس والجامعات، وأثر سلبيًّا وبصورة حادة على النسيجين الاجتماعي والأخلاقي للشعب الفلسطيني في الأرض المحتلة 1967، ووقع الشعب تحت وهم أوسلو والمفاوضات ظنًّا منه أنه سيحصل على دولة أو على احترام؛ لكنه يرى الآن تزايد الاعتداءات الصهيونية وتمدد الاستيطان، ويشهد خيبات أمل متتالية من قبل الدول العربية والعالمية وبالأخص الولايات المتحدة الأمريكية.
ت- تم ربط عنق الشعب الفلسطيني بحبل المساعدات المالية والاقتصادية، وأصبحت لقمة الخبز الفلسطينية مرتبطة إلى حد كبير بإرادة الخارج وبالأخص إسرائيل والولايات المتحدة.
ويدرك الناس أن الخروج عن الطريق المرسومة لهم سيفقدهم لقمة الخبز هذه دون أن يكون لديهم بديل يعتمدون عليه.
لقد تركت السلطة ومعها الشعب دون تفكر أو تدبر، ودون بدائل، الأمر الذي قلص كثيرًا من الإرادة السياسية الخاصة للشعب الفلسطيني.
ث- الفلسطينيون متورطون -أيضًا- بالتنسيق الأمني مع دولة الكيان، ومنذ أوسلو حتى الآن والفلسطيني يتعقب الفلسطيني دفاعًا عن الأمن الصهيوني؛ حتى إن أجهزة أمن السلطة تلاحق الفلسطيني الذي يمكن أن يهاجم المستوطنين، فماذا ينفع النفخ الوطني أمام هذه المصيبة الوطنية؟
الثورة
المسئولية الآن لا تقع على الشعب الفلسطيني بصورة خاصة؛ وإنما على فصائل المقاومة بالتحديد.
السلطة ربطت نفسها بإرادة غيرها السياسية، وهي متورطة بأمور كثيرة تمتد من التنسيق الأمني مع الصهاينة إلى المصالح الشخصية لكل شخوصها.
فقط فصائل المقاومة تتحمل المسئولية؛ لأنها ليست مثقلة كثيرًا كما الشعب، وليست متورطة فيما قد يؤثر على سيرها؛ أي أن المسئولية تقع الآن على عاتق حماس والجهاد الإسلامي واللجان الشعبية؛ لكي تنقل القضية الفلسطينية إلى مكانها الصحيح.
المطلوب الآن هو ثورة وليس مجرد انتفاضة؛ لقد جرب الشعب الفلسطيني الانتفاضات وكلها فشلت؛ وذلك على الرغم من أن بعضها قد أزعج العدو وقض مضاجعه، وليس من المتوقع أن تنجز أي انتفاضة جديدة شيئًا؛ لأن الحركة الجماهيرية الاحتجاجية ليست ذات نمط تاريخي مستمر، وهي دائمًا بحاجة لقيادة تؤمن بالتضحية إذا كان للشعب أن ينجز شيئًا.
تتميز الثورة عن الانتفاضة في أنها ذات قيادة تعي ما تعمل، ولديها برنامج وأهداف واضحة، وتستطيع أن تتدبر شئونها المالية والنزلية (اللوجستية) بصعود وهبوط، وهي تستطيع الاستمرار والتصاعد في حشد همم الناس ودعمهم.
هناك ألف سبب وسبب يدعو الشعب الفلسطيني للثورة وحمل السلاح؛ الظلم والإذلال يمارَسان يوميًّا ضد الشعب الفلسطيني، والأعداء الداخليون والخارجيون يستهترون بهذا الشعب عمليًّا من خلال ممارساتهم اليومية.
جرب الشعب الفلسطيني انتفاضات في نهاية القرن العشرين وبداية الواحد والعشرين؛ لكن تجربته ما زالت في الذاكرة وهي غير مشجعة.
وقد عانى من الإجراءات القمعية الصهيونية ومن جنوح العديد من شباب الانتفاضة نحو الرعونة وإلحاق الأذى بالناس، والناس في الضفة والقطاع يسمعون الآن تعليقات من قبل عدد من الشباب الأهوج حول ترقبهم للانتفاضة من أجل ممارسة الانفلات الأمني.
لقد أساء الانفلات الأمني للشعب وللقضية، ولا يرغب الناس في رؤية ذلك يتكرر بخاصة أن السلطة الفلسطينية ما زالت تحتفظ بهؤلاء المنفلتين الذين لا علاقة لهم بالوطن والوطنية.
هناك من يلوم السلطة الفلسطينية على تقاعسها؛ بل وعدم رغبتها في تغيير الأوضاع؛ لكن هذا اللوم ليس في مكانه؛ لأن السلطة وجدت لتؤدي دورًا معينًا خارج النضال الوطني الفلسطيني.
اللوم يقع على المقاومة الفلسطينية التي لم تنشط في الضفة الغربية على مدى عدة سنوات، وتركت الساحة لعربدة المستوطنين، حتى بات من الصعب على الفلسطيني التجوال في الطرقات الرئيسية في الضفة الغربية، في حين أن هذه الطرقات باتت مفتوحة أمام المستوطنين.
المهمة ليست سهلة؛ لكن القضية الفلسطينية تستحق الصمود والاستمرار في ملاحقة العدو، فلسطين أمانة في أعناق الفلسطينيين أولاً، والذين قدموا كل هذه التضحيات لا يعجزون عن رسم أفق جديد لفلسطين.
المصدر: الجزيرة نت
مقالات ذات صلة
- القضية الفلسطينية
- قطار التسوية الغارق في الأوحال
- اتفاق أوسلو.. عشرون عامًا عجافًا!
- زيارة كيري لفلسطين فرصة لالتقاط الصور
- إطلاق الأسرى.. ووهم السلام مع الصهاينة
- الحالة التنظيمية لحركة فتح والسيناريوهات المقبلة
- في ذكرى أوسلو.. أين نحن من الكيان الفلسطيني؟
- أي خيارات للسلطة الفلسطينية في الاستعصاء القائم؟
- تقرير: الاستيطان تضاعف ثلاث مرات منذ اتفاق أوسلو







التعليقات
إرسال تعليقك