تمور الضفة الغربية في فلسطين بأحداث متلاحقة سواء من قبل الاحتلال أو من السلطة المتواطئة معه ضد الفلسطينيين؟.. فهل تشتعل الضفة الغربية؟ ومتى؟
ملخص المقال
أي خيارات للسلطة الفلسطينية في الاستعصاء القائم؟ مقال لماجد الشيخ يجيب عن تساؤل ماذا تبقى من أسلو؟ وكيفية تجديد المشروع الفلسطيني، والمهام الملحة والضرورية لذلك
بعد عشرين عامًا من توقيع اتفاق أوسلو، يمكن الاستنتاج والاستدلال ببساطة على أن أوسلو إسرائيليًّا، ومنذ البداية؛ أُريد له أن يختلف اختلافًا جذريًّا عن أوسلو كما توارد في الذهن الفلسطيني، أو هكذا أراده الصهاينة -بتوجه واعٍ ومخطط له من جانبهم- أن يكون؛ فأوسلو الإسرائيلي استمرار لما كان قبلاً من مشروع آلون إلى روابط القرى إلى الإدارة المدنية، وصولاً إلى استنتاجات لا تسووية ما زالت الحكومات الصهيونية المتعاقبة تتمسك بها، وبكل ما يناقض مشروع التسوية الفلسطيني.
وعلى الرغم من التجربة العشرينية المرَّة، ما زالت المفاوضات تستأنف بين الحين والآخر، من دون الوصول إلى ما يناقض الأساسات التي رست عليها اتفاقات أوسلو التي أضحت في العرف الصهيوني مجرد سياسة يمكن نقضها في كل حين.
إن استمرار الوضع الوطني الفلسطيني ومراوحته عند عتبة أوسلو أقعد القيادة الفلسطينية وحوّلها إلى مجرد سلطة لحكم ذاتي، جعلها تنتقل قسريًّا نحو اتجاهات تتناقض ومنطق التحرر الوطني، وحصر مطالبها وأهدافها الراهنة في إتمام عملية تسووية، ليس شرطًا أن يكون مآلها الحتمي الوصول إلى دولة فلسطينية -على حدود عام 1967م- مستقلة حقًّا بعيدًا من الاستيطان والمستوطنين، وبعيدًا من استبعاد تواصلها مع محيطها العربي، من قبيل محاولات استمرار السيطرة على مناطق الأغوار على الحدود مع الأردن.
ولهذا جرى طرح موضوعة «تبادل الأراضي» كنوع من استمرار المماطلة والتمحك الإسرائيلي، غير القابل للتغيير أو التعديل، لا سيما في ظل حكومات صهيونية تزداد تطرفًا ويمينية مع الزمن الضائع من عمر أوسلو منذ عشرين عامًا، لم تشهد تقدمًا يُذكر في الفكر السياسي الصهيوني، الذي يسيطر عليه هاجس الأمن في شكل رئيس.
وبعيدًا عن أوهام إمكانية تحقق تسوية ممكنة جراء المفاوضات العبثية الراهنة، أو حتى بعد عشرين عامًا من الآن، فقد أثبتت تجربة الواقع المرير أنه ليس لدى المؤسسة الحاكمة في دولة الكيان الصهيوني أي ذرة من استعداد للتخلي عن نهج فرض الأمر الواقع الاحتلالي بالقوة، فليس لديهم شبيه بديجول، والصهاينة أنفسهم لا يمكنهم -في ظل الوضع الحالي المريح لهم- أن يتحولوا ويحولوا مزاجهم نحو تسوية ممكنة، أضحت تتلاشى وتضمحل رويدًا، لا سيما في ظل وضع إقليمي ودولي متهاون ومنشغل بقضايا أخرى.
بين طيات هذا الوضع الأليم، يبقى السؤال الأهم:
ماذا تبقى من أوسلو بعد كل هذه السنين؟
ما عوَّل عليه الصهاينة -ويعولون عليه- أن تبقى لهم السيطرة الفعلية الأمنية والاقتصادية على كل الأرض التي يزعمون أن «الإله وعدهم بها»؛ ولهذا فإن تلك السيطرة هي «التجسيد البشري» لذاك الوعد الاستعماري الكولونيالي، البعيد المدى، كونه استند ويستند إلى «مقدس» مزعوم وموهوم؛ وهو لن يحول أو يزول، طالما بقي الطرف المقابل (الفلسطيني)، يبني على أساسات أوسلو، ما يتطلع أو يحلم بأن يحقق له مشروع دولته المستقلة، كحد أدنى لتحقق مشروعه الوطني القائم على ثوابت قيامة دولة علمانية ديمقراطية على كامل أرض فلسطين التاريخية، ككيان سيادي غير متنازع عليه.
لم يبق من أوسلو ذاك الأمل بانسحاب الاحتلال إلى حدود عام 1967م، حتى يتاح فعليًّا وعمليًّا قيام الدولة الفلسطينية، تجسيدًا لحل الدولتين، فهذا ما لم يتضمنه الاتفاق أصلاً، وإن جرى تبني ذلك لفظيًّا من جانب نتنياهو أو وزراء في ائتلافه الحاكم.
وكل ما تبقى ليس أكثر من كوابيس أو أضغاث أحلام، عولت وتعول على مسيرة مجهضة من المفاوضات، ومسار انتقالي لم ينتقل قيد أنملة طوال كل تلك السنين التي استغرقتها مسيرة أوسلو، من دون أن يتضح أو يتبين للطرف الفلسطيني أن مشروعه الوحيد أو الأوحد للتسوية الموقتة أو «التاريخية» يتحقق، أو هو في سبيله إلى التحقق، أو يمكن تحقيقه في وقت من الأوقات العصيبة التي عملت وتعمل دولة الكيان الصهيوني على إجهاضه، أو الإبقاء على مراوحته الدائمة، من دون السماح له بأن يتقدم ولو بخطى سلحفائية بطيئة.
على العكس من ذلك، حققت حكومات الاحتلال غالبية مصالح الصهاينة وتطلعاتهم، في ظل ترسيخ الجدار وتثبيت المستوطنات ومحاولة استكمال تهويد القدس؛ في حين لم يتحقق للمشروع الوطني الفلسطيني سوى المزيد من التراجعات والخسائر، التي حاقت به كمشروع للتحرر الوطني، لا كمشروع لإدارة أزمة.
لهذا تحديدًا بات ملحًّا ومن أبرز مهمات الواجب الوطني، التي يجب التصدي لها، من قبل الوضع الفلسطيني بمجمله، صوغ استراتيجية كفاحية جديدة، تأخذ في الاعتبار أن أوسلو، وقد تقادم عليه الزمن، وبانت وانكشفت كل مثالبه، في ظل وقائع استيطانية واحتلالية تناقض روح الاتفاق وجوهره، وصولاً إلى روح وجوهر ما رست عليه تلك الجولات التفاوضية العبثية الماراثونية الطويلة، من دون أن تسفر حتى عن «شروى نقير» يمكن التعويل عليه مستقبلاً.
إن تجديد المشروع الوطني الفلسطيني يحتم العودة إلى تجديد المنطلقات الكفاحية، وتحديدها مجددًا، وفق واقع ووقائع ما رست عليه سرديات المشهد الوطني الفلسطيني، وآليات الوعي الوطني ومعاييره، ومحددات الهوية الوطنية المضادة والمعادية لمعادلة نفي الهوية الفلسطينية عن الأرض والشعب تاريخًا وجغرافية وديموجرافية؛ تحاول إسرائيل قلب معادلاتها لمصلحة مستوطنيها في القدس والضفة الغربية، وفي الأغوار، وفي كل مكان من فلسطين التاريخية؛ المهم أن يبقى الفلسطيني شريدًا في معادلة الاحتلال، والمستوطن اليهودي مواطنًا «أصيلاً» أو «أصلانيًّا» في كيان الاحتلال الكولونيالي.
المهمة الراهنة والملحَّة: الدفع نحو استنهاض شعبي فلسطيني معادل لربيع عربي يثور على أنظمة الاستبداد، من دون أن يسلِّم راياته لقوى متخلفة، هي في الأصل قوى معادية للتقدم والحداثة والمعاصرة والتنوير، ترث أنظمة استبداد سياسي هي في استبداديتها الدينية أفظع وأكثر فاشية.
إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني تتطلب تلك الاستعادة والتجديد للمشروع الوطني، وانتزاعه انتزاعًا من أيدي قوى المحاصصات الفئوية، وحتى لا يبقى رهنًا لقوى المصالح الزبائنية السلطوية والوظائفية، والمحسوبيات التي ترى في استمرار الوضع والاستعصاء الراهنين قمة تحقق المصالح الأنانية والنرجسية لفئات طبقية آلت وتئول على نفسها أن تبقى ما بقي أوسلو، والمفاوضات والتنسيق الأمني رهين التعاطي مع الاحتلال على حساب الضرورات الوطنية التاريخية التي تجسدها القضية الوطنية، والمشروع الوطني، ومنظمة التحرير الفلسطينية؛ ككيان وطني جامع لكامل القوى الوطنية الفلسطينية.
في كل الأحوال ينبغي أن تبقى السلطة الفلسطينية رهينة منظمة التحرير وليس العكس، ولكي تبقى كذلك، المطلوب الخروج من حال الاستعصاء التفاوضي الراهن، نحو انفتاح آفاق جديدة لكفاح وطني يجدد المشروع الوطني ولا يميته بالتقادم.
المصدر: الحياة اللندنية







التعليقات
إرسال تعليقك