الاضطرابات العنيفة في شوارع طهران وكبريات المدن الإيرانية تتجاوز الاعتراض على نتائج الانتخابات لتكون أول احتجاج عميق على النظام السياسي
ملخص المقال
أحمدي نجاد الرئيس الذي تحقق على يديه أكثر الأحلام الإيرانية ومنها السيطرة على العراق من جميع النواحي إضافة إلى تطوير البرنامج النووي الإيراني, فهل يستطيع مواجه التحديات القادمة ؟
شهدت إيران منذ عقد الثمانينات إلى يومنا هذا العديد من الشخصيات السياسية التي قادت الحكم في البلاد، وعلى الرغم من اختلاف الهيئة الخارجية لهؤلاء الرؤساء إلا أنهم وحدوا رؤاهم لتحقيق مسعاهم وساروا على سياسة واحدة لتنفيذ مآربهم الخارجية تجاه العرب وهي تصدير الثورة الإيرانية، ويعتبر محمود احمدي نجاد الرئيس الحالي لإيران والمنتخب عام 2005م هو أكثر الرؤساء الذي تحقق على يديه أكثر الأحلام الإيرانية ومنها السيطرة على العراق من جميع النواحي السياسية والأمنية والاقتصادية إضافة إلى تطوير البرنامج النووي الإيرانية ومع ذلك واجه الرئيس الإيراني محمود احمدي نجاد خلال عام 2008م موجة احتجاجات وانتقادات على سياسته التي اعتبرت مسؤولة عن تدهور الوضع الاقتصادي والسياسي في البلاد.
وتطغى على الصحف الإيرانية أخبار المشاكل الاقتصادية من غلاء المعيشة وارتفاع الأسعار إلى تزايد البطالة ويحمل البعض في الصحف مسؤولية تردي الحالة الاقتصادية إلى أحمدي نجاد وسياساته غير المدروسة.
وتأتي هذه الانتقادات قبل أقل من عام على انتهاء ولاية الرئيس الإيراني وقد يقلل سوء الأحوال الاقتصادية من حظوظ أحمدي نجاد بالفوز في ولاية رئاسية ثانية.
فالحالة الاقتصادية في إيران بدأت تسير على طريق الانهيار لضعف السياسة المالية التي ينتهجها نجاد فإيران صاحبة 71.5 مليون شخص وفقا لأرقام المصرف المركزي الإيراني تعاني من بطالة قاتلة تتخطى الـ20 بالمائة بين الأشخاص الأقل من 24 عاما حسب المصرف المركزي الإيراني ، فعندما كانت أسعار النفط تتجاوز 110 دولار كانت الحالة الاقتصادية متدهورة حسب ما نشر في سبتمبر/ أيلول الماضي عن حزب (مشاركة) الاصطلاحي الذي ينتمي اليه الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي الحكومة بقوله: (وعلى الرغم من وصول النفط إلى أسعار خيالية، فان الحالة الاقتصادية في إيران استمرت في التراجع، كما أن الهوة بين الطبقتين الغنية والفقيرة تزداد وان العمال والفلاحين وموظفو الدولة يعانون الكثير من المشاكل الاقتصادية والمعيشية).
وأظهرت دراسة إيرانية رسمية - أجريت بطلب من البرلمان الإيراني في شهر يونيو/ حزيران الماضي- أن التصنيف المعدل:
1 التضخم وارتفاع الأسعار 90 بالمئة.
2 السكن 83 بالمئة.
3 البطالة 78 بالمئة.
4 انخفاض الدخل 72 بالمئة.
وبعدما كان التضخم يقارب نسبة 10% في السنة عند وصول احمدي نجاد إلى السلطة في أغسطس/آب 2005، وصل إلى نحو 30% في خريف 2008م.
ويبقى الاقتصاد نقطة ضعف الرئيس الإيراني، ولاسيما مع انهيار أسعار النفط التي تراجعت من حوالي 150 دولارا للبرميل في الصيف إلى اقل من 40 دولارا في الأيام الأخيرة، في وقت تؤمن الصادرات النفطية اكسر من نصف عائدات البلاد.
وحذر سعيد ليلاز الخبير الاقتصادي الإيراني من التأثير للأزمة المالية العالمية على الاقتصاد الإيراني، مشيرًا إلى أن هذه الأزمة يمكن أن تجعل إيران تواجه الإفلاس مستقبلاً.
كشف ذلك في تصريحات أدلى بها لصحيفة سرماية الإيرانية جاء فيها: (أن الأزمة المالية العالمية سوف تجعل حكومة الرئيس محمود أحمدي نجاد تسحب مبالغ طائلة من الصندوق الاحتياطي الإيراني، ما يجعلها تواجه عجزًا في الميزانية، وبالتالي ستواجه الإفلاس وان انخفاض أسعار النفط يجعل الحكومة تواجه عجزًا كبيرًا في الميزانية، وهذا ما يجعلها تسحب مبالغ من صندوق احتياطي العملة الصعبة، الأمر الذي سيثير مشاكل مالية كبيرة).
أن التقلبات الاقتصادية التي شهدها الاقتصاد العالمي أخيراً وفي مقدمتها انخفاض أسعار النفط، كشفت مدى هشاشة النظام السياسي والاقتصاد الإيراني الذي بات قاب قوسين أو أدنى من الانهيار، نتيجة البنية التحتية الفاسدة وجراء تسرب مبالغ طائلة من المال لاستمرار المشروع النووي من جهة، ولجيوب الفاسدين من جهة أخرى.
أما الناحية السياسية سواء كانت الداخلية منها أو الخارجية فهي هي الأخرى لا تقل معاناة عن سابقتها – الاقتصادية – فقد تعرضت حكومة نجاد للعديد من الانتقادات الداخلية سواء من المحافظين أو الإصلاحيين، فأول صفعة تلقتها حكومة نجاد هو إقالة وزير الاقتصاد داود دانش جعفري في ابريل 2008م ثم تبعه في سبتمبر رئيس البنك المركزي طهم صب مزهري، وهما كانا يدعوان إلى مزيد من التقشف في الإنفاق.
وفي الرابع من نوفمبر 2008م أقيل وزير الداخلية الإيراني علي كردان الذي من مهامه بسبب مذكرة حجب الثقة بعد أن تبين انه كذب وزور شهادة جامعية قال انه حصل عليها في اوكسفورد.
ولم ينجح خلفه صادق محصولي المقرب من الرئيس في نيل الثقة إلا بغالبية ضئيلة جدا عندما صادق البرلمان الإيراني يوم الثلاثاء 18-11-2008م بفارق ضئيل ووسط انقسام بين النواب على قرار الرئيس محمود احمدي نجاد تعيين احد مستشاريه المقربين، ما يؤشر غالى التوتر القائم في صفوف المحافظين وحصل الملياردير (صادق محصولي )على 138 صوتا، العدد الأدنى الضروري للمصادقة على تعيينه في هذا المنصب الاستراتيجي للانتخابات الرئاسية المقررة السنة المقبلة. وجدد ترشيح محصولي إثارة النقاشات التي تشكك في مصدر ثرائه ومباشرة بعد عملية التصويت أعلن نواب محافظون و اصلاحيون أنهم سيطعنون في مصداقيتها بمذكرة حجب ثقة.
وبين مراقبون سياسيون ومفكرون عن آراءهم حول السياسة الداخلية للرئيس الغيران وموقف مؤيديه من هذه التغيرات بقولهم : ( حتى الذين انتخبوا احمدي نجاد عن قناعة، - إذا افترضنا أن ثمة فرص للقناعات في إيران، يمكن أن تجد طريقها لقول كلمتها ضمن اشتراطات وآليات وقوانين وأعراف ومسلمات ولاية الفقيه-، باتوا اليوم يعضون أصابعهم ندماً على الموافقة على الإدلاء بأصواتهم لصالحه، ولكن الحقيقة هي انه ليس احمدي نجاد وحده هو المسئول عن تردي الأوضاع في إيران في عموم الميادين فليس نجاد في الحقيقة سوى دمية في أعلى هرم مؤسسة كهنوتية لها آلياتها وقوانينها وأعرافها وإيديولوجيتها التي لا يستطيع نجاد ولا سواه أن يقف في تيارها وإنما هو مرغم أن يسبح فيه ومعه) .
هذا وقد عبر العديد من المسئولين المعارضين في البرلمان الإيراني عن سخطهم جراء السياسة التي ينتهجها نجاد ولاسيما الداخلية، آذ أوعز العديد من المراقبين السياسيين تزايد الأزمات الداخلية الإيرانية إلى السياسة العمياء التي يفرضها نجاد على خصومه في الخارج بقولهم : (إن السياسة الإيرانية الخارجية هي السبب الرئيس بتدهور الأوضاع في داخل إيران إذ أن الكثير من الأموال تصرف لدعم مؤيدي النظام الإيراني في سوريا ولبنان (حزب الله اللبناني ) والعراق - بدعم الميليشيات الطائفية مثل جيش المهدي وفيلق بدر- إضافة إلى صرف الكثير من الأموال لتأجيج الأوضاع في البلدان العربية الأخرى مثل مصر والسودان واليمن).
ومن الملاحظ إن سياسة نجاد شبيه إلى حد كبير بالسياسة الأميركية والمتمثلة بالرئيس جورج بوش الذي أعطى سياسته الخارجية جل اهتمامه ومصروفات بلاده على حساب الشعب الأميركي الذي بدوره أعلن عن سخطه وعدم رضاه ، وهذا الحال هو ذاته اليوم في إيران .
إن هذه الأوضاع المتأزمة داخل المجتمع الإيراني ربما ستكون هي قاصمة الظهر لنجاد إذا ما أراد الترشح لرئاسة ثانية واعتلاء سدة الحكم في 2009م.







التعليقات
إرسال تعليقك