دين الإسلام هو الدين الذي ارتضاه الله عز وجل لجميع البشر منذ أن خلق آدم إلى أن تقوم الساعة.. فما بعض محاسن هذا الدين العظيم؟
ملخص المقال
تجربة فتح الله كولن التركية من التجارب الإسلامية الفريدة، وأطلق الشيخ فتح الله على مشروعه اسم مشروع الخدمة.. فما قصة تجربة فتح الله كولن؟
في السبعينيات من القرن الماضي تولّى رئاسة وزراء تركيا رجل يصفونه بالصلاح وإخفاء الإيمان يُدعى "تورجوت أوزال"، وكان هو بداية نهضة تركيا الحالية عندما بدأ في محاربة الفساد. صاحب ذلك ظهور حركة الشيخ "فتح الله كولن"، وهي الحركة الرائدة لنهضة تركيا. و"فتح الله كولن" حاول الاهتمام بالتربية والابتعاد عن التطرق إلى السياسة بشكل مباشر، لكنه يتدخل في السياسة بدفع أتباعه للتكتل خلف الحزب الذي يرى فيه مصلحة تركيا ومصلحة الدعوة فقط.
الشيخ "فتح الله كولن" كان يريد أن يرى راية لا إله إلا الله ترفرف على تركيا، فقد كان يبكي مثلنا على ضياع الخلافة وانتشار الفجور والسفور. قام الشيخ "فتح الله" بوضع الأساس لتربية جيل جديد، وبدأ بعمل شقق سكنية لطلبة المدارس والجامعات، مستعينًا بتبرعات رجال الأعمال، وكان الهدف من هذه الشقق هو أن يتم تربية جيل مسلم بداخلها يصمّ أذنيه عن صراخ العلمانية. يُذكر أن رجال الأعمال كانوا يتبرعون أحيانًا بجُلّ دخلهم من أجل الدعوة. سمعنا هناك عن رجال فعلوا مثلما فعل عمر -رضي الله عنه- وتبرعوا بنصف مالهم، وثمة آخرون حاولوا الوصول إلى أبي بكر -رضي الله عنه- فتبرعوا بجلّ دخلهم السنوي من أجل العمل الدعوي.
وأطلق الشيخ "فتح الله" على مشروعه اسم "مشروع الخدمة" وهي خدمة القرآن الكريم، وجعل الخدمة أمرًا مقدسًا بأن تحفّظ أحد الشباب القرآن، أو تتولى رعايته دراسيًّا. بدأ المشروع بشقق الطلاب وبدأت الثمار تظهر، فأصبح الطلاب أنفسهم مسئولين عن رعاية الطلاب الأصغر منهم، وبدأ تلامذة الشيخ يتولّون الرعاية بأنفسهم في ملحمة نكران ذاتٍ رهيبة.
تطور الأمر فصار هناك مبانٍ كاملة وليس شقق للطلاب، وزاد عدد المنتسبين إلى جماعة الخدمة، حتى وصل الأمر إلى إنشاء مدارس، وكان هذا هو التحدي الحقيقي. كيف تنشأ مدارس تدرس الدين في دولة تحارب الدين؟! لكن قرار الشيخ كان هو أنه يجب على المسلم أن يكون متعلمًا ومتدينًا في الوقت نفسه، أي أن يتسلح بالإيمان دون الإخلال بتسلحه بالعلم، وإلاّ فلن يصلح المسلم للإبداع والقيادة. تم إنشاء مدارس على أعلى مستوى تعليمي لتدريس مناهج تركيا العلمانية، ولكن المدرسين كانوا هم المختلفين هذه المرة؛ فالمدرسون هم تلامذة الشيخ وخريجو بيوت التربية خاصته. وبدأت الثمار تنضج واحدة بعد الأخرى، واستمر الأمر حتى بلغ عدد المدارس الآن إلى أكثر من ألف مدرسة ونحو خمس عشرة جامعة في تركيا وألمانيا والولايات المتحدة وغيرها.
المنهج الرئيسي الذي تم اتباعه كان هو الاندماج في المجتمع والتفوق والتميز، ثم الانطلاق لقيادة هذا المجتمع دون الإخلال بثوابت الدين. وربما يكون قد شاب هذا المشروع بعض الأخطاء أو التجاوزات أو الاجتهادات الخاطئة، إلا أننا نأمل في أن يتم تصحيح هذه الأخطاء عندما يتوالى تخريج أجيال جديدة من علماء الأزهر الأتراك القادرين على تنقيح المنهج على ضوء العلم الشرعي.
ولما كان الإعلام من القاطرات التي يجب أن تجرّ قطار النهضة مع التعليم، فتم إنشاء مجلة "حراء" وجريدة "زمان" وهي الآن أكبر جريدة تركية. فكرة جريدة "زمان" قائمة على فكرة المدارس نفسها، فكما أنك يجب أن تنتج خريجين متميزين قادرين على تولّي القيادة، فكان لا بد من إنتاج إعلام قادر على الوقوف بشراسة أمام إعلام العلمانيين. إذن يجب أن تكون الجريدة ناجحة ذاتيًّا وليس فقط بسبب دعم رجال الأعمال لها. يجب أن تكون قادرة على النجاح الحقيقي والبيع بشكل مكثف مثل أية جريدة علمانية قوية أخرى بل أكثر.
تم تجنيد شباب لا حصر لهم للقيام بعملية التوزيع، وكانوا يعملون بشكل لا كلل فيه ولا ملل، بل فيه قدر كبير من إراقة ماء الوجه. كان الأمر هو أن على الشباب الذي يعمل بالتوزيع أن يكون في كل أنحاء تركيا وكل مدنها، وأن يبيعوا اشتراكات الجريدة لكل فرد يستطيعون الوصول إليه. كانوا يمرّون على المحال التجارية والمطاعم والمكاتب يبيعون الاشتراكات، ويوزعون بأنفسهم الجريدة.
كان أعضاء الخدمة -وما زالوا- يتعاملون مع أمر الجريدة أو مجلة "حراء" أو أي منتج من منتجات الدعوة بقدسية شديدة، ويتفانون في نشر منتجهم، ويتفانون في جمع التبرعات لمؤسسات الخدمة أو لدفعها للطلبة كمنح دراسية في الأزهر أو غيره. كل فرد قادر على جمع التبرعات له عدد من المنح الدراسية كهدف سنوي عليه تحقيقه كل عام، ويقوم بالتودد للميسورين حتى يحصل منهم على تمويل المنح الدراسية.
الأمر الآن وصل إلى جريدة ومجلة وعدة دُور نشر خارج وداخل تركيا، ومؤسسات تعليمية لا حصر لها ومستشفيات، وقنوات خاصة تحت الإنشاء. الأحزاب السياسية التركية تخطب ودّ الدعوة الآن، فمَن تدعمه جماعة "فتح الله كولن" يحصل على عدد نحو20% من الأصوات بسهولة، ناهيك عن الدعم الإعلامي.
دور الجماعة في النهضة كان هو إنتاج البشر القادرين على النهوض بالدولة. عندما سُئل أحد وزراء أردوجان: كيف استطعت أن تحقق هذا النجاح السريع؟ كان رده أنني لم أفعل شيئًا خارقًا للعادة؛ لأني وجدت العديد من الشبان الممتازين للعمل معي في إدارتي وهم أكفاء وأمناء. كان هؤلاء الشبان هم طلائع مشروع الشيخ فتح الله كولن، الذين خرجوا ليتسلموا مراكز القيادة. أيضًا أصبحت الجماعة تضم عددًا لا نهائيًّا من رجال الأعمال الذين يتبرعون للجماعة.
ولكن يجب علينا أن نفصل بين جماعة الشيخ كولن وبين حزب العدالة والتنمية، ويجب الفصل بين الشيخ كولن وبين أردوجان. الوضع في تركيا مختلف عن الوضع في مصر. في تركيا ممنوع باسم القانون أن تغلق خمارة أو ماخورًا ما دام معه تصريح بالعمل. في تركيا ممنوع أن ترتدي فتاة حجابها داخل المدرسة أو الجامعة، باستثناء القليل من الجامعات حديثًا فقط. إن جماعة الخدمة عمل دعوي غير سياسي، أما حزب العدالة والتنمية فهو حزب سياسي علماني لا علاقة له بالدين.
ربما يقول قائل: إن أردوجان متدين ورجل صالح وكلامه فعلاً أقرب للصواب -ولا نزكي أحدًا على الله- إلا أن أردوجان لا يملك إلا نفسه. فأردوجان على سبيل المثال لا يستطيع أن يغلق ماخورًا دون إذن من القضاء، ولا يستطيع أن يرسل ابنته بحجابها إلى الجامعة إلا بإذن القضاء. إذن فنسخ التجربة التركية إلى مصر لا يكون بالاتباع الأعمى، بل بالانتقاء من أجل اختيار ما يصلح لمصر وشعبها.
إن ما فعله أردوجان هو تتويج لمجهود العقود السابقة وليس عملاً فرديًّا له. نعم، حزب العدالة والتنمية اجتهد قدر استطاعته إلا أنه ليس صاحب الفضل الوحيد. لقد كانت خطة التنمية الأساسية في تركيا عبر العقود السابقة هي استغلال وتنمية كل موارد الدولة دون السقوط في أوهام المشاريع القومية الخرافية التي ترسم أحلام ثراء الدولة السريع داخل عقول الجماهير. وأهم هذه الموارد التي تم الاهتمام بها وتنميتها هو الشعب التركي.. هو الإنسان الذي سيبني الحضارة، وليس الثراء والتنمية الاقتصادية ثم ننتظر تنمية الإنسان.
لنسخ هذه التجربة أو لتمصيرها علينا أن نهتم بتنمية الإنسان المصري كهدف أساسي، وعندما ننجح في ذلك فإن هذا الإنسان هو الذي سيقوم بتنمية وطنه بنفسه. والتنمية البشرية تكون في أساسها أخلاقية ودينية وعلمية وصحية لصناعة جيل يستطيع أن يرعى نفسه بنفسه، ولا يسمح بأن يساق كالسائمة على يد ديكتاتوريين جدد لعقود مظلمة جديدة.
المصدر: جريدة الفتح المصرية، العدد (24).







التعليقات
إرسال تعليقك