يعرض المقال بعضا من أخلاق العرب قبل الإسلام، والتي تبين التدهور الأخلاقي في المجتمع العربي، كشرب الخمر ووأد البنات والأنكحة الفاسدة
ملخص المقال
مكانة الأنبياء والرسل عند رسول الله، مقال د. راغب السرجاني يتناول مكانة الرسل والأنبياء وأتباعهم في عين رسول الله
رسول الله والرسل السابقين
لقد أَمَرَنَا النبي r ألاَّ نُفاضل بين الأنبياء، فقال: «لاَ تُخَيِّرُوا بَيْنَ الأَنْبِيَاءِ»[1].
بل إنه r خصَّ نفسه بعدم التفضيل، فقال في رواية: «لاَ تُخَيِّرُونِي مِنْ بَيْنِ الأَنْبِيَاءِ»[2]!! وعندما حدث خلاف بين مسلم ويهودي حول المفاضلة بين الأنبياء، غضب الرسول r لصالح اليهودي وليس لصالح المسلم!!
فقد روى أبو هريرة t قَالَ: بَيْنَمَا يَهُودِيٌّ يَعْرِضُ سِلْعَتَهُ أُعْطِيَ بِهَا شَيْئًا كَرِهَهُ فَقَالَ: لا، وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى الْبَشَرِ. فَسَمِعَهُ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَامَ فَلَطَمَ وَجْهَهُ، وَقَالَ: تَقُولُ وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى الْبَشَرِ، وَالنَّبِيُّ r بَيْنَ أَظْهُرِنَا؟!
فذهب إليه فقال: أبا القاسم، إنَّ لي ذمَّةً وعهدًا، فما بال فلانٍ لطم وجهي؟ فقال r: «لِمَ لَطَمْتَ وَجْهَهُ؟!» فذكره، فغضب النبي r حتى رُئِيَ في وجهه ثم قال: «لاَ تُفَضِّلُوا بَيْنَ أَنْبِيَاءِ اللهِ؛ فَإِنَّهُ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَيَصْعَقُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللهُ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ أُخْرَى فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ بُعِثَ، فَإِذَا مُوسَى آخِذٌ بِالْعَرْشِ، فَلا أَدْرِي أَحُوسِبَ بِصَعْقَتِهِ يَوْمَ الطُّورِ أَمْ بُعِثَ قَبْلِي، وَلاَ أَقُولُ إِنَّ أَحَدًا أَفْضَلُ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى»[3].
إن رسول الله r لا يتحرج أن يذكر مثل هذه الحقائق، وبخاصة في هذا الموقف الذي فيه خلاف بين مسلم ويهودي.. لقد تناسى النبيُّ r تمامًا قصة هذا النزاع، وتذكر أخاه في النبوة موسى بن عمران u، فانبرى مدافعًا عنه، رافعًا من شأنه.
لقد كان رسول الله r يعتبر نفسه والأنبياء الذين سبقوه كحلقات في سلسلة واحدة، أو كلَبِنَاتٍ في بناء واحد، ومن ثَمَّ فلا مجال للتنازع أو الصراع أو التنافس أو المفاضلة.. قال رسول الله r: «إِنَّ مَثَلِي وَمَثَلَ الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بَيْتًا فَأَحْسَنَهُ وَأَجْمَلَهُ إِلاَّ مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ بِهِ وَيَعْجَبُونَ لَهُ وَيَقُولُونَ: هَلاَّ وُضِعَتْ هَذِهِ اللَّبِنَةُ، قَالَ: فَأَنَا اللَّبِنَةُ، وَأَنَا خَاتِمُ النَّبِيِّينَ»[4].
هذه هي نظرتنا للأنبياء والمرسلين في مسيرة التاريخ الطويلة.. ما هم إلا لبِنَات في صرح هائل ضخم، ولا معنى لتصارع اللبنات في البناء الواحد، إنما هو التكامل والتعاون لأداء مهمَّة واحدة، وهي توحيد الله رب العالمين.
مكانة الأنبياء والرسل عند رسول الله
ومن ثَم فنحن نعترف كل الاعتراف بمن سبقنا على الطريق، وإننا لا نبالغ حين نقول: إننا نحب الأنبياء أكثر من حب أتباعهم لهم، ونُقَدِّر مكانتَهم زيادة على أقوامهم!
وقد ذَكَر ذلك رسول الله، فقد قال عندما وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء: «مَا هَذَا؟» قَالُوا: هَذَا يَوْمٌ صَالِحٌ، هَذَا يَوْمٌ نَجَّى اللهُ بَنِي إسرائيل مِنْ عَدُوِّهِمْ فَصَامَهُ موسى. قال r: «فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ». فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ[5].
فالرسول r يرى نفسه أحق من بني إسرائيل بموسىu، كما أنه سعيدٌ بنجاة بني إسرائيل من عدوهم فرعون إلى الدرجة التي يصوم فيها لله شكرًا على هذه النعمة، بل يأمر الأمة الإسلامية جميعًا بالصيام.
ألا يُعَدُّ كل ذلك اعترافًا بموسى u وببني إسرائيل؟!
وقد قال r نفس ذلك الكلام في حق عيسى u، قال: «أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَالأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلاَّتٍ[6] أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ»[7].
ألا يُعَدُّ ذلك اعترافًا بعيسى ابن مريم u وبالنصارى؟!
ثم إن رسول الله r لما أراد أن يُعَظِّم من شأن أبي بكر وعمر، وهما أعظم رجلين في الإسلام بعده r، ضرب لهما مثلاً من الأنبياء والمرسلين، فالتشبُّه بهم مَكرمة، واتّباع هديهم محمدة..
قال الرسول r: «وَإِنَّ مَثَلَكَ -يَا أَبَا بَكْرٍ- كَمَثَلِ إِبْرَاهِيمَ u، قَالَ: {فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [إبراهيم: 36]، وَمَثَلَكَ -يَا أَبَا بَكْرٍ- كَمَثَلِ عِيسَى u قَالَ: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [المائدة: 118]. وَإِنَّ مَثَلَكَ -يَا عُمَرُ- كَمَثَلِ نُوحٍ قَالَ: {رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا} [نوح: 26]، وَإِنَّ مَثْلَكَ -يَا عُمَرُ- كَمَثَلِ مُوسَى قَالَ: رَبِّ {وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} [يونس: 88]»[8].
هذه هي مكانة هؤلاء الأنبياء الكرام في عين رسول الله r.
وحتى عندما كان يتمنى r من نبيٍّ فعلاً غير الذي فعل، كان يُقَدِّم أمنيته بالدعاء له..
فتجده -مثلاً- عندما يتمنى أن لو كان موسى u قد صبر في رحلته مع الخضر يقول: «يَرْحَمُ اللهُ مُوسَى، لَوَدِدْنَا لَوْ صَبَرَ حَتَّى يُقَصَّ عَلَيْنَا مِنْ أَمْرِهِمَا»[9].
وعندما رأى r أن هناك كلمة أولى من الكلمة التي قالها لوط u وحكاها عنه القرآن الكريم عندما قال: {قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ} [هود: 80]، قال رسول الله r: «يَرْحَمُ اللهُ لُوطًا لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ»[10].
الرسول وأتباع الرسل والأنبياء
بل إن الرسول r يتجاوز الأنبياء السابقين ليمدح أتباعهم والذين ساروا على نهجهم وثبتوا على دينهم، فها هو يمدح الراهب النصراني في قصة أصحاب الأخدود[11]، وها هو يمدح الأعمى من بني إسرائيل الذي شكر نعمة الله تعالى[12]، وها هو يمدح جريجًا[13] ويذكر قصته للصحابة ولنا، وهو من عُبَّاد بني إسرائيل، وهكذا.. وإنَّ حصر مثل ذلك صعب جدًّا؛ لوفرته في كتب السنة النبوية.
وأكثر من ذلك أنه r طلب من الصحابة أن يتخذوا الثابتين من السابقين من أصحاب الديانات الأخرى قدوةً ونبراسًا للهدى..!!
وانظر إلى هذا الموقف الذي يضرب فيه المثل بأتباع دينٍ آخر..
قال خباب بن الأرت: شكونا إلى رسول الله r وهو متوسِّدٌ بردةً له في ظلِّ الكعبة، قلنا له: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو الله لنا؟ قال r: «كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ، فَيُجْعَلُ فِيهِ، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ، فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لا يَخَافُ إِلاَّ اللهَ أَوِ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ»[14].
هذه هي نظرته للأنبياء ولأتباعهم، وهو أمر ثابت في منهج حياته من أول بعثته.
بل إنه r لما نزل عليه الوحي للمرة الأولى ولم يدرِ ما هو، ذهب إلى ورقة بن نوفل[15]، وهو معروف بالنصرانية، وصرحت بذلك الروايات المتعددة[16]، ولقد أعلن ورقة بن نوفل بوضوح أنه إن أدركه يوم النبي r فسوف ينصره نصرًا مؤزرًا، لكنه مات قبل أن يرى ذلك، ومع هذا لم يَنْسَه رسول الله r، وإنما مدح إيمانه، وذكر أنه من أهل الجنة فقال: «لا تَسُبُّوا وَرَقَة؛ فَإِنِّي رَأَيْت لَهُ جَنَّة أَوْ جَنَّتَيْنِ»[17].
كل هذه المشاعر الفياضة -دون حساسية أو تعنُّت- جعلته r يقف تلك المواقف الإيجابية.
نقول
مع هذا الاعتراف بالآخرين على كل طوائفهم، ومع هذا القبول لكل الملل والنحل على شدة اختلاف عقيدة المسلمين عن عقائدهم، ومع هذا التلطف الشديد والتجمُّل المستمر.. مع كل هذا الذي قَدَّمه رسول الله r، هل اعترف به الآخرون؟!
هذا ما سنحاول التعرُّف عليه في المقال القادم.
[1] البخاري عن أبي سعيد الخدري t: كتاب الخصومات، باب ما يذكر في الأشخاص والملازمة والخصومة بين المسلم واليهودي 2281، ومسلم: كتاب الفضائل، باب من فضائل موسى u 2374.
[2] البخاري عن أبي سعيد الخدري: كتاب الديات، باب إذا لطم يهوديًّا عند الغضب 6519.
[3] البخاري: كتاب الأنبياء، باب قول الله تعالى: {وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} 3233، والترمذي 3245، وابن ماجه 4274.
[4] البخاري عن أبي هريرة t: كتاب المناقب، باب خاتم النبيين 3342، ومسلم: كتاب الفضائل، باب ذكر كونه r خاتم النبيين 2286.
[5] البخاري عن ابن عباس: كتاب الصوم، باب صيام عاشوراء 1900، ومسلم: كتاب الصيام، باب صوم يوم عاشوراء 1130.
[6] أولاد علات: هم الأخوة لأب واحد من أمهات مختلفات. والمعنى أن شرائعهم متفقة من حيث الأصول وإن اختلفت من حيث الفروع حسب الزمن، وحسب العموم والخصوص. انظر: النووي: المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج 15/119.
[7] البخاري عن أبي هريرة: كتاب الأنبياء، باب {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا}3259، ومسلم: كتاب الفضائل، باب فضل عيسى u 2365.
[8] أحمد عن عبد الله بن مسعود 3632، والبيهقي في سننه 12623، والهيثمي في مجمع الزوائد 6/115، وقال: وفيه أبو عبيدة ولم يسمع من أبيه، ولكن رجاله ثقات.
[9] البخاري: كتاب العلم، باب ما يستحب للعالم إذا سئل أي الناس أعلم فيكل العلم إلى الله 122، وأيضًا: كتاب الأنبياء، باب حديث الخضر مع موسى u 3220، ومسلم: كتاب الفضائل، باب من فضائل الخضر u 2380.
[10] البخاري عن أبي هريرة t: كتاب الأنبياء، باب قوله U: {وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ} 3192، ومسلم: كتاب الفضائل، باب من فضائل إبراهيم الخليل r 151.
[11] حديث أصحاب الأخدود رواه مسلم عن صهيب: كتاب الزهد والرقائق، باب قصة أصحاب الأخدود والساحر والراهب والغلام 3005، وأحمد 23976.
[12] قصة الأقرع والأعمى والأبرص الذين ابتلاهم الله، رواها البخاري عن أبي هريرة: كتاب الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل 3277، ومسلم في أوائل كتاب الزهد والرقائق 2964.
[13] قصة العابد جريج والطفل الذي تكلم في المهد، رواها البخاري عن أبي هريرة: كتاب أبواب العمل في الصلاة، باب إذا دعت الأم ولدها في الصلاة 1148، ومسلم: كتاب البر والصلة والآداب، باب تقديم بر الوالدين على التطوع بالصلاة 2550.
[14] البخاري: كتاب الإكراه، باب من اختار الضرب والقتل والهوان على الكفر 6544، وأحمد 21106.
[15] هو ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي، تنصَّر في الجاهلية، ولما نزل الوحي على النبي r في غار حراء انطلقت به خديجة حتى أتت ورقة، فلما علم حاله ورقة قال: هذا الناموس أي الوحي الذي أُنزل على موسى. انظر: ابن الأثير: أسد الغابة 5/463-465، وابن حجر: الإصابة 6/607.
[16] البخاري: كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله r، ومسلم: كتاب الإيمان، باب بدء الوحي إلى رسول الله r 160.
[17] رواه الحاكم في المستدرك عن السيدة عائشة ل 4211، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقال الذهبي في التلخيص: على شرط البخاري ومسلم، وقال الألباني: صحيح. انظر: صحيح الجامع 7320.







التعليقات
إرسال تعليقك