دين الإسلام هو الدين الذي ارتضاه الله عز وجل لجميع البشر منذ أن خلق آدم إلى أن تقوم الساعة.. فما بعض محاسن هذا الدين العظيم؟
ملخص المقال
الثبات فضل من الله, ومنة من الله, وهبة من الله, وأمل يتجدد في قلب كل مؤمن إلى آخر لحظة في حياته حتى يلقى النبي صلى الله عليه وسلم على الحوض
عندما يعمل الإنسان لله يجد عقبات كثيرة, ولكنه يجد راحة نفسية تفوق هذه العقبات, وهذا فضل من الله يمنُّ به على من يشاء من عبادة؛ ولذا رأينا السحرة بعد أن هُدِّدوا بقطع الأيدي والأرجل, وأن يصلبوا فوق جذوع النخل, بعد هذا كله يقولون وقد وجدوا السعادة في نفوسهم إذ أشرق عليها نور الإيمان, ومُلئت بالطمأنينة إلى قضاء الله, فقالوا لمن توعدهم: {قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ البَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الحَيَاةَ الدُّنْيَا} [طه: 72].
ولذا كان أهل الإيمان يرتفع فيهم فريق إلى العلا بسبب هذا الثبات {مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً} [الأحزاب: 23]. ولذا ورد الأمر الرباني {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: 200].
إن العقبات التي تواجه الدعوات قد تكون بسببها أو بأسباب أخرى, فما كان بسببها منه السجون والمعتقلات, ومنه مصادرة الأموال, ومنه التضييق الذي يراه العبد في أسباب الرزق, ومنه السخرية والاستهزاء من الذين يظن بهم خيرًا أو من غيرهم, وغير ذلك كثير. وأما الأسباب الأخرى التي تصيب المرء بالفتن من خارج الدعوة ولكنها قد تؤثر على صاحبها، من ذلك النساء والأموال والمناصب وغير ذلك. ولذا فإن المسلم يفتقر دائمًا إلى توفيق الله له بالثبات، فإن العقبات مع تزيين الشيطان وشهوات النفس من الأمور المهلكة.
ولقد ضرب الله تعالى مثلاً مائيًّا وآخر ناريًّا لما يواجه أصحاب الدعوات، فقال جل ذكره: {أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ} [الرعد: 17].
والتثبيت فضل من الله ومنَّة منه, وحقيقة تحقيق الشيء وترسيخه, وذلك بكبح النفس عن عكس المطلوب، وتحمل العقبات في سبيل تحقيق المطلوب, ويعين -بعد فضل الله- على ذلك الإيمان بصحة الطريق والرضا التام بما قد يواجه الإنسان, يخبرنا الله تعالى بفضله على رسوله r {وَلَوْلا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً} [الإسراء: 74]، مع أنه r ثابت على الحق لأنه المصطفى والمجتبى, ولأنه صفوة الخلق, وخليل الرحمن, ولكن اتجه الكلام إليه وأصل حقيقته أنه للأمة، ولكن لتعظيم الأمر خوطب به رسول الله r.
ولهذا الأمر كشف لنا القرآن الكريم عن دعاء المؤمنين إلى الله رب العالمين, سائلين الثبات {رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى القَوْمِ الكَافِرِينَ} [البقرة: 250], {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى القَومِ الكَافِرِينَ} [آل عمران: 147]. إننا نلاحظ هنا الآتي:
1- طلب المؤمنين الصبر قبل طلب الثبات.
2- كذلك سؤالهم الله مغفرة الذنوب، وما كان منهم من إسراف قبل التثبيت.
3- أن سؤال التثبيت كان تمهيدًا لطلب النصر على القوم الكافرين.
ونعيش مع رسول الله r فيما رواه الإمام مسلم من دعائه عن عبد الله بن عمرو بن العاص "اللهم مصرف القلوب ثبت قلوبنا على طاعتك" (2654)، وفي البخاري (7391) عنه t قال: "أكثر ما كان النبي r يحلف: لا ومقلب القلوب". وعن أنس بن مالك كان رسول الله r يكثر أن يقول: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك". فقلت: يا رسول الله، قد آمنا بك وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟ قال: "نعم, إن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء". رواه الترمذي في القدر، وقال: حديث حسن صحيح. وفي الباب عن النواس بن سمعان, وأم سلمة, وعائشة, وأبي ذر. قال الإمام ابن حجر في الفتح (13/377): "إشارة إلى شمول ذلك للعباد حتى الأنبياء, ورفع توهم من يتوهم أنهم يستثنون من ذلك, وخص نفسه بالذكر إعلامًا بأن نفسه الذكية إذا كانت مفتقرة إلى أن تلجأ إلى الله سبحانه، فافتقار غيرها ممن هو دونه أحق بذلك".
أقول: النبي r من أشد الناس خوفًا من ربه، وأدبًا مع ربه، ولكنه كان معصومًا -فيما أرى- من الصغائر والكبائر, ومثل ما ورد في هذا الحديث يأتي على سبيل الإرشاد والتعليم والبيان لهذه الأمة، والله أعلم.
ويأتي التثبيت فضلاً من الله بوسائل تتناسب مع ما هم فيه، ومن هذا ما كان في غزوة بدر قال تعالى: {إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ} [الأنفال: 11]. ونجد فضل الله في تثبيت المؤمنين يتجاوز الحياة الدنيا إلى الآخرة {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ} [إبراهيم: 27].
ولما كان هذا التثبيت فيه مكابدة وشدة,؛ لذا دلنا الله تعالى على ما يعين على الطريق فيما كان مع رسول الله r لنسير على دربه, أو وجّه الخطاب فيه إلى المؤمنين مباشرة, قال تعالى: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا} [النحل: 102], وقال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً} [الفرقان: 32], وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد: 7], وقال تعالى: {وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [البقرة: 265]، وقال تعالى: {وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} [هود: 120].
من هنا نعلم من أسباب التثبيت الآتي:
1- القرآن.
2- العمل الصالح.
3- نصرة دين الله.
4- مدارسة السنن السابقة, وسيرة الأنبياء الصالحين.
5- مجاهدة النفس فيما أحبت.
هذا وغيره يبلغ بالمؤمن درجة يحقق فيها -بإذن الله- مثل الصالحين {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [إبراهيم: 24، 25].
ولهذا عندما وصف رسول الله r الدجال لأصحابه، وأنه يمكث فيهم أربعين يومًا, يومًا كسنة, ويومًا كشهر, ويومًا كأسبوع, وسائر أيامه ككل الأيام, فإنه استحث أصحابه على الثبات حتى تمر هذه الفتنة، فيقول r: "يا عباد الله، فاثبتوا".
فالثبات فضل من الله, ومنة من الله, وهبة من الله, وأمل يتجدد في قلب كل مؤمن إلى آخر لحظة في حياته حتى يلقى النبي r على الحوض, فيسعد بإذن الله بشربة طيبة ترفع عنه الظمأ, ويتنعم الله عليه بظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله, ويمر على الصراط كالبرق الخاطف, وبعدها إلى النعيم المقيم, ورضا رب العالمين.
إن الحياة مهما طالت ما هي إلا لحظات, فقديمًا قال بعض القوم: {لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} [الكهف: 19], في حين أن واقعهم {وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا} [الكهف: 25], بل نستمع إلى هذه الحقيقة الغيبية التي يخبرنا بها القرآن العظيم عن حقيقة ما سيكون من المجرمين حين ينفخ في الصور {يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا * يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْرًا * نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْمًا} [طه: 102- 104].
ونرى في ثبات الصديق يوم الإسراء والمعراج المثل الأعلى في هذا, إنه ثبات مبني على العلم بسرعة إتيان الوحي إليه, وقدرة الخالق؛ لذا لم يهتز لقول أهل مكة, وثبات الإيمان في قلب بلال t هوّن أمر الصخرة التي كانت على صدره، فإن قوة الإيمان وصدق المعتقد يجعل أفعال المعاندين لا وزن لها، وصور الثبات في أصحاب رسول الله كثيرة. وكذلك في ثبات الفئة المؤمنة في سجون الظالمين خاصة في عامي 1954 و1965م, نرى فيها توفيق الله لعباده المؤمنين وإهانة لفعل الظالمين, وتهوينًا من أمرهم, لقد شهدوا من العذاب ما لا تقدر عليه الجبال، ولكن الله منَّ عليهم بالثبات.
وليس الثبات معناه عدم الإفصاح عن الرأي، ولكني أرى أن الثبات ينبني على أمور:
1- العلم والفهم والمعرفة الدقيقة لما عليه الفرد والجماعة, فيرزق بذلك بعد فضل الله بالثبات المبني على العلم والفهم.
2- السؤال والاستفسار لما يظهر له حتى يبقي القلب في سلامة من الشبهات بعيدًا عن الهمهمات.
3- الانتهاء إلى ما انتهى إليه أمر الجماعة، وعدم تعظيم النفس أو التعصب للرأي.
الثبات خلق
وكما أن الثبات فهم وإدراك وتحمل, فهو كذلك خلق يتحلى به صاحبه شأنه في ذلك شأن الطاعة, إنها صفات أخلاقية, وسلوك يتميز به المسلم داخل جماعته حتى يعمل الجميع وفق منظومة لتحقيق الهدف الذي يقصدون به وجه الله, فلا شكوك, ولا اتهامات, ولا تعصب, ولا تملق, إنما هي آراء تحتمل, وغايات تقصد, والجميع يتمنى أن يصل إلى نهاية الطريق ثابتًا على الحق.
الثبات بين الخشية والاغترار
إن الثابت على الحق يخشى دائمًا على نفسه, فهو يعلم أنه لا يُؤمن على حي فتنة خاصة، وقد علم أن رسول الله r قال: "بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم, يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا" (رواه مسلم 118).
حتى قال النبي r: "يُوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبعُ بها شعفَ الجبال، ومواقع القطرِ، يفر بدينه من الفتنِ" (البخاري في كتاب الإيمان). ولقد كان ذلك في الاتحاد السوفيتي السابق، إنها فتن كثيرة يتعرض لها المسلم في حياته, فمن كان في خشية دائمًا فهو يحذر الفتن، ولا ينخدع بزخارف الدنيا.
أما من اغتر بنفسه فقد أوردها التهلكة والاغترار، قد يكون بالعلم أو بالمال أو بالجاه، وكذلك إذا عظمت نفسه أمام عينيه وعظم رأيه، ومن أشد أسباب الاغترار -وهو مُهلِك لصاحبه- الاغترار بستر الله، فمن الناس من يرتكب من السيئات الظاهرة أو الباطنة ويستر الله عليه, فلا يهتم ولا يفتش في نفسه، وينسى أن الله مطلع عليه فيغتر بستر الله.
لذا فحقيقة الثبات تظهر إذا سيطر على المسلم الخشية من الله وعدم الاغترار بالنفس, بل يزداد لله تواضعًا وخشية ودعاء بالتثبيت، وهذا ما علمناه من رسول الله r وهو من هو، وكذلك ما أرشدنا إليه القرآن العظيم.
هنيئًا.. هنيئًا لمن وفق إلى الثبات, وكان آخر كلامه لا إله إلا الله, هذه الكلمة العظيمة التي عليها قامت السموات والأرض، ومن كانت هي آخر كلامه دخل الجنة.
هنيئًا.. هنيئًا لمن استعمله الله فوفقه إلى الخير وعليه قبضه, أو ابتلاه ورزقه الصبر والثبات والرضا والتسليم لخالقه I.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.







التعليقات
إرسال تعليقك