دين الإسلام هو الدين الذي ارتضاه الله عز وجل لجميع البشر منذ أن خلق آدم إلى أن تقوم الساعة.. فما بعض محاسن هذا الدين العظيم؟
ملخص المقال
ضريبة الجهل مقال يؤكد أن الثمن الذي سوف يدفعه المجتمع في سبيل نشر العلم والمعرفة بين أبنائه لا يقارن بالثمن الذي يدفعه عندما يعيش في تخلف وانحطاط, فما دلائل ذلك؟
إن الجهل أعمق وأكبر بكثير من الأمية، فالأمية تعني في كثير من دول العالم الجهل بالقراءة والكتابة، ومحو الأمية يعني إزالة هذا الجهل عن عقل الإنسان. أما الجهل فليس معناه أن يكون الشخص اُميًّا -وإن كانت الأمية نوع من أنواع الجهل- أو من أنصاف المتعلّمين كحاملي المؤهلات المتوسطة وشبه المتوسطة، ولكن قد يكون هذا الشخص متعلّمًا، وحاملاً للشهادات العليا كالماجستير والدكتوراة، ويملك خبرات وتجارب عظيمة في الحياة..
وقد يكون حاكمًا أو سياسيًّا أو ناشطًا اجتماعيًّا وثقافيًّا، أو مفكرًا كبيرًا أو صاحب كفاءة واختصاص علمي مشهود له به من قبل أهل تخصصه, أو رجال دين كبار لكنهم على جهل ببعض المسائل فتجرأوا على الفتوى فيها مما يصيب المجتمع بآفة الجهل في الدين, وليس أدل على ذلك من موقف بعض رجال الدين الذين وضعوا في معسكر العداء للثورات في العالم العربى، بل إن البعض تجرأ على وصف المتظاهرين ببعض الألفاظ القبيحة..
إنّ الجهل الذي يعاني منه هذا الصنف من الناس هو الجهل بمعنى الحياة أو بالهدف الذي يجب أن يسعى إليه الإنسان، أو الجهل بما سينتج عنه فعله على نفسه ومجتمعه, وقد قسم العلماء الجهل إلى نوعين هما:
أولاً: الجهل البسيط: هو عدم العلم بالشيء مع معرفة واقتناع الشخص بأنه يجهل الشيء, وهذا شخص يسعى لتعلم ما يجهل أو يعرف قدر طاقته فلا يقحم نفسه فيما يجهل ولا يتصدى له.
ثانيًا: الجهل المركب: هو عدم العلم بالشيء مع اعتقاد العلم به و إنكار الجهل به تمامًا، فالجهل جهلاً مركبًا يجهل جهل نفسه قبل أن يجهل جهله بالشيء, وهذا أخطر إذ إنه لا يسعى لتعلم ما يجهل, ويعتقد في نفسه الصواب, فلا يقبل غير ما يرى بل يجادل عنه وربما أذاعه بين الناس.
وهذا النوع هو الأخطر على حياة ومستقبل الأمم والشعوب وليس أدل في هذا المقام أن يلقب فرعون الأمة الإسلامية بأبي جهل مع أنه من أشراف العرب ومن أنجح الناس في عالم المال والتجارة.
والسؤال هنا لماذا ينتشر الجهل بين الناس؟ وبالأخص في عالمنا العربي والإسلامي؟ فوجدت الإجابة في مقولة عظيمة يستخدمها الطغاة والأعداء ويعرفونها ويتدربون على استخدامها تقول: (إذا أردتم استعباد قوم فاستجهلوهم)، فعلى سبيل المثال لو فحصت الأميين في العالم فستجد أعلى نسبة في العالم توجد في المنطقة العربية والإسلامية (ثلث سكان دولة كبيرة كمصر على سبيل المثال أميًّا) مع أن أول ما نزل من القرآن هي كلمة: اقرأ، والقراءة هنا في صورة الأمر وليس للهواية، وعلى الرغم من ذلك فإن المسلمين لا يقرءون ولا يلتزمون بتعليمات دينهم الحنيف.
ولا شك أن الدول المتقدمة في عالمنا أدركت قيمه العلم والتعلم وأنه الطريق الوحيد في سبيل النهضة فهذه أمريكا على سبيل المثال أعطت في التسعينات 12 مليون مهاجر تأشيرة هجرة إليها بالإضافة إلى الإغراءات المادية والجنسية الأمريكية في سبيل استقطاب عقول العالم إليها..
لقد لاحظت من قراءتي للتاريخ أن للجهل ضريبة فادحة يؤديها الأفراد وتؤديها الجماعات وتؤديها الشعوب, فعلى سبيل المثال الرئيس التونسي المخلوع قال لشعبه بعد 23 عامًا من الحكم إني فهمتكم, وقال: كانت تأتي إليَّ تقارير خاطئة, فكان عاقبة جهله بأمور وشئون شعبه أن أصبح بعد الملك طريدًا وحيدًا، وحسني مبارك ليس ببعيد عن هذا المثال الواضح في الجهل السياسي بأمور واحتياجات شعبه, فلقي مصيرًا أسوأ بكثير من الرئيس التونسي..
أما على مستوى الشعوب: الفراعنة المصريون لم يكونوا جهلاء بل صنعوا حضارة علمت العالم بأسره، ومازالت آثارهم باقية إلى الآن تشهد على ذلك، لكنهم في نفس الوقت رضوا بالاستخفاف من قبل حكامهم, قال الله سبحانه وتعالى: {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ * فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ * فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِلآخِرِين} [الزخرف: 54- 56], فعلى الرغم من أنهم أهل حضارة إلا أنهم لم يعرفوا لماذا خلقوا؟ والمسلمون لما انشغلوا بأنفسهم ونسوا أهدافه ضاعت حضارتهم وأصبحوا على موائد اللئام, وليس أدل على ذلك من الوضع الذي نحن فيه الآن من التخلف والاستعباد والقهر.
والشعوب العربية لما عاشت عقودًا طويلة من الاستبداد والطغيان من قبل حكامها وصلت إلى ما هي عليه الآن, فلما قامت بثوراتها مستعينة بربها أدركت مدى جهلها بقدراتها, ومدى الضعف الذي عليه حكامها.
إن ضريبة الجهل التي ندفعها أفدح بكثير في ثمنها من ضريبة العلم والتعلم والمعرفة وحمل الرسالة في الحياة، فالأمة التي تأبى أن تدفع الثمن في سبيل نهضتها وعزتها والتماس طريقها تدفع أضعاف هذا الثمن مرات عديدة كضريبة لجهلها وتخلفها عن ركب الحضارة.
فالجهل في أي مجال من مجالات الحياة يدفع ثمنًا له المجتمع بأسره, فعلى سبيل المثال ثلث المجتمع المصري المنوط به دفع عجلة الاقتصاد وقيادة قطار التنمية لا يقرأ ولا يكتب فكيف لنا أن نحلم بنهضة بلادنا ونحن على هذه الحالة؟ كذلك الجهل بالمخاطر والآثار الصحية لمختلف الأمراض يجعل المجتمع يدفع ثمنًا باهظًا من دخله على العلاج, يضاف إلى ذلك ما تحدثه تلك الأمراض من تعاسة لأصحابها، فمصر على سبيل المثال يوجد بها أعلى نسبة إصابة بأمراض الكبد في العالم.
أما الجهل السياسي وهذا هو الأهم والأداة الفعالة لعلاج باقى أنواع الجهل المختلفة فحدث ولا حرج, فعندما يتم انتخاب الأفراد على أساس قرابة أو قبيلة أو ديانة أو مقابل حفنة قليلة من الأموال أو على أساس بعض الشعارات الزائفة دون برامج أو خطط واضحة بالتأكيد سوف تنتج حكومة فاشلة متخبطة في قراراتها وتصرفاتها فتهوي بالمجتمع إلى درك الأمم، وتنتج نوابًا من أمثال نواب الدم الفاسد ونواب القمار ونواب العلاج على نفقة الدولة ونواب الأراضي ونواب سميحة ونواب يحلفون بالطلاق في المجلس, فكيف لنا أن نحلم بنهضة هذا البلد.
فهيا بنا نبدأ بخطوات طموحة ووثابة في سبيل التخلص من الجهل ولنبدأ بمحو الأمية في بلادنا كأبسط أنواع الجهل مع نشر ثقافة العلم بين الناس وإبراز قيمته ونشر ثقافة الحقوق التي للأفراد والواجبات التي عليهم حتى نقول إننا بدأنا أن نمشي على الطريق الصحيح.
فالثمن الذي سوف يدفعه المجتمع في سبيل نشر العلم والمعرفة بين أبنائه لا يقارن بالثمن الذي يدفعه عندما يكون المجتمع يعيش في تخلف وانحطاط وتنتشر فيه الخرافات, فدول ككوبا وكولومبيا وحتى فلسطين تجاوزت أبسط أنواع الجهل وهو الأمية ووصلت نسبه المتعلمين بها فوق 97% والمسئولية هنا لا تقع على عاتق الحكومات وحدها, لكن مسئولية الأفراد والجماعات والجمعيات والأحزاب وكافة مؤسسات المجتمع التي يجب أن تعمل بجد في سبيل رفعة أوطانها دون شعارات زائفة أو ادعاء لوطنية وقومية غير فاعلة.







التعليقات
إرسال تعليقك