دين الإسلام هو الدين الذي ارتضاه الله عز وجل لجميع البشر منذ أن خلق آدم إلى أن تقوم الساعة.. فما بعض محاسن هذا الدين العظيم؟
ملخص المقال
صدق وعد الله للمظلوم لأنصرنك ولو بعد حين, فدعوة المظلوم مستجابة ولو كان فاجرا, ومن طال عدوانه زال سلطانه, فما شواهد ذلك في التاريخ القديم والحديث؟
ثلاثون عامًا أمضاها الفرعون ظالمًا متجبرًا؛ لا يعبأ بخصومه الذين يتكاثرون على مدار الساعة! وقد ضاقت عليهم الأرض بما رحبت؛ ولم يكن لهم من ملجأ إلا البر الرحيم؛ يفزعون إليه بالدعاء.. وقد بحت الحناجر بـ حسبي الله ونعم الوكيل؛ فكانت تصعد بشررها إلى السماء، وما ربك بغافل عما يعمل الظالمون..
ولما كان الطغاة الفراعين قد تمكن الطغيان من نفوسهم، وسرى فيها سريان الدم في العروق؛ فلا هم يسمعون صرخات المظلومين، ولا هم يشعرون بمعاناتهم، ولا هم يعبأون بأناتهم.. بل كانوا يهزأون بدعائهم ويزدرونه! والملك الحق يسمع ويرى، ولكنه سبحانه يمد الفراعين في طغيانهم يعمهون..
ثلاثون عامًا والملك الحق يملي للظالم؛ يمهله ولا يهمله.. ثلاثون عامًا والمظلوم يترقب؛ وقد يستبطئ الإجابة.. وقد يتسرب اليأس إلى نفسه..
وفي لحظة بلغت فيها المأساة مداها؛ تحقق وعد الله الذي غفل عنه الظالمون طويلاً:
عن خزيمة بن ثابت t قال: قال رسول الله r: "اتقوا دعوة المظلوم فإنها تحمل على الغمام؛ يقول الله: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين"[1].
ومن أصدق من الله قيلاً..
أجل.. تحقق نصر الله بعد حين.. فدعوة المظلوم مستجابة ولو كان فاجرًا: عن أبي هريرة t قال: قال رسول الله r: "دعوةُ المظلومِ مستجابةٌ وإنْ كانَ فاجرًا ففجورُهُ على نفسِهِ"[2].
وفي التاريخ القديم والحديث شواهد كثيرة:
ذكر الذهبي في سِيَره عن إبراهيم بن عبد الرحمن أن القاضي أبا عبيد الله احتال على بُنان[3] حتى ضربه سبع دِرَر، فقال: "حبسك الله بكل دِرَّة سنة؛ فحبسه ابن طولون سبع سنين".
ولما حبس خالد بن برمك وولده قال: يا أبتِ! بعد العز صرنا في القيد والحبس! فقال: "يا بني! دعوة المظلوم سرت بليل غفلنا عنها ولم يغفل الله عنها".
قال سليمان بن عبد الملك لأبي حازم: ادعُ لي. فقال: "أنا أدعو الله لك هاهنا، ومظلوم بالباب يدعو الله عليك؛ فأي الدعوتين أحق بالإجابة؟".
وذكر "المقري" في "نفح الطيب": أن المنصور بن أبي عامر قبض على الوزير الحاجب المصحفي مع أنّه كان أحد أتباعه, فلما أمر بسجنه بالمطبَق[4] في "الزهراء"، ودّع المصحفي أهله وداع الفرقة، وقال لهم: "لستم ترونني بعدها حيًّا؛ فقد أتى وقت إجابة الدعوة، وما كنت أرتقبه منذ أربعين سنة!!" وذلك أنّي أُشرِكتُ في سجن رجل في عهد "الناصر"، وما أطلقتُه إلاّ برؤيا رأيتُها بأن قيل لي: أطلِق فلانًا فقد أُجيبَت فيك دعوته! فأطلقتُه وأحضرتُه وسألتُه عن دعوته عليّ، فقال: دعوتُ على مَن شارك في أمري أن يُميتَه الله في أضيق السجون. فقلتُ: إنّها قد أُجيبَت؛ فإني كنتُ ممن شارك في أمره، وندمتُ حين لا ينفع الندم.. ويُروَى أنّه كتب للمنصور بن أبي عامر بهذه الأبيات:
هَبْني أسأتُ؛ فأين العفـوُ والكـرمُ *** إذ قادَني نحوَكَ الإذعـانُ والنَّــدَمُ
يا خيـرَ مَن مُدَّتِ الأيدي إليه؛ أما *** تَرثي لشــيخٍ نَعَـاهُ عندَكَ القـلمُ
بالغتَ في السُّخطِ فاصفَحْ صفحَ مقتدرٍ *** إنَّ الملوكَ إذا ما استُرحِموا رَحِمُوا
فأجابه المنصور بأبيات لعبد الملك الجزيري:
يا جاهِلاً بعدَ ما زَلَّتْ بكَ القَدَمُ *** تَبغِي التكَرُّمَ لمـَّا فَاتَـكَ الكَرَمُ؟
نَدَمْتَ إذ لم تَعُدْ مِني بطائلةٍ *** وقَلَّمـا يَنفَعُ الإذعـانُ والنَّــدَمُ!
نَفْسي إذا جَمَحَتْ ليسَتْ براجِعَةٍ *** ولو تَشَفَّعَ فيكَ العُرْبُ والعَجَمُ!
فبقي في المطبَق حتى مات، نعوذ بالله تعالى من دعوة المظلوم.
وصدق الإمام علي بن أبي طالب t في قوله: "يوم العدل على الظالم أشد من يوم الجور على المظلوم".
حبس بعض الملوك رجلاً ظلمًا بضع سنين، فلما حضرت الوفاةُ المظلومَ كتب رقعة وقال للسجان: إذا أنا مت فأوصل هذه الرقعة إلى الملك, فمات الرجل, وإذا مكتوب في الرقعة: "أيها الغافل إنَّ الخصم قد تقدم، والمدَّعَى عليه بالأثر، والمنادي جبريل، والقاضي الذي سيحكم بيننا لا يحتاج إلى بينة؛ لأنه أحاط بكل شيء علمًا، وهو أحكم الحاكمين وأعدل العادلين".
ومَن طال عدوانه زال سلطانه :
فهذا مصطفى كمال أتاتورك الذي ظل يصول ويجول في حربه على الله ورسوله أكثر من عشر سنوات إلى أن قدر الله U أن يأخذه أخذًا أليمًا شديدًا..
ففي مرض موته في قصره ابتلاه الله بحشرات صغيرة حمراء لا تُرَى بالعين، حتى اضطرته إلى الحك الشديد أمام زواره، وقد ظهرت آثارها على وجهه..!
وكتب مستشار وزارة الصحة ما يلي: وُجد نمل في بعض أرجاء القصر، وقد أثبت المختصون أنه نوع من النمل المهاجر من الصين إلى أوربا..!
وانظر إلى حكمة الله؛ فبالرغم من كونه محاطًا بأساتذة الطب إلا أنهم لم يكتشفوا أنه كان مريضًا بالكبد، وقد ذاق مر العذاب من سنة 1936م حتى اكتشفوا المرض سنة 1938م. كانت المياه القاتلة في جوف الكبد تتجمع فيسحبونها بالإبر، وقد انتفخ بطنه وتورمت قدماه..
وكان يصيح صياحًا يخترق شرفات القصر الذي يقيم فيه, وأصبح جلدًا على عظم، وبقي يذوب ويصغر ويتفتت حتى تحول إلى فضلة امتص ماؤها, وكان وزنه عندما مات ثمانية وأربعين كجم فقط. وظل يعاني ويصرخ إلى أن رحل مُشَيَّعًا باللعنات[5].
فيا عباد الله.. أين مجالسه العالية..؟! أين عيشته الصافية..؟! أين لذاته الخالية..؟! ذهبت العين، وأُخفِيَت الآثار..
فاعتبروا يا أولي الأبصار..
تقطعت به جميع الأسباب، وهجره القرناء والأتراب، وصار فراشه الحصى والتراب، وربما فُتِح له في اللحد باب النار..
فاعتبروا يا أولي الأبصار..
خلا –والله- بما صنع، واحتوشه الندم وما نفع، وتمنى الخلاص وهيهات؛ قد وقع، وخَلاَّه الخليل المصافي وانقطع، واشتغل الأهل بما كان جمع، وتملكوا المال والدار..
فاعتبروا يا أولي الأبصار..
وهذه وإن كانت حالة مَن غَدَا، فلكل منا مثلها غدًا، فانتبهوا مِن رقادكم قبل الرَّدَى؛ أيحسب الإنسان أنْ يُترَك سُدَى؟! إنما هي جنة أو نار..
فاعتبروا يا أولي الأبصار..
ويا مَن اجتمعت عليه المظالم وهو غافل:
ما لي رأيتُـكَ راكبًا لهواكا *** أظَنَنتَ أنَّ اللهَ ليس يَـراكـا؟!
انظُرْ لنفسِكَ فالمَنِيَّةُ حيـثُ ما *** وَجَّهْتَ؛ واقِفةٌ هُناك حِذاكـا
للمـوتِ داعٍ مُزعِـجٌ وكأنَّهُ *** قد قامَ بينَ يديـكَ ثم دعاكـا
وليومِ فقـرِكَ عُـدَّةٌ ضَيَّـعْتَها *** والمرءُ أفقرُ ما يكونُ هُنـاكـا
ما زلتَ تُوعَظُ كي تتوب مِنَ الخَطَا *** وكأنَّما يُعنَى بذاكَ سِواكـا
[3] بُنان الحمال الإمام المحدث الزاهد، شيخ الإسلام، أبو الحسن، بنان بن محمد بن حمدان بن سعيد الواسطي، نزيل مصر، ومن يضرب بعبادته المثل. وثقه أبو سعيد بن يونس. صحب الجنيد وغيره. وقيل: إنه هو أستاذ الحسين أبي النوري، وهو رفيقه ومن أقرانه. وكان كبير القدر، لا يقبل من الدولة شيئًا، وله جلالة عجيبة عند الخاص والعام. وقد امتُحن في ذات الله؛ فصبر، وارتفع شأنه. ومن كلامه: متى يفلح من يسره ما يضره؟! قال ابن يونس: توفي بُنان في رمضان سنة ست عشرة وثلاثمائة، وخرج في جنازته أكثر أهل مصر، وكان شيئًا عجبًا من ازدحام الخلائق. [سير أعلام النبلاء].







التعليقات
إرسال تعليقك