باتت مسرحية الحرب المختلقة بين إسرائيل وحزب الله مكررة ورتيبة في صيف كل عام، فما حقيقة هذه المسرحية؟ وما الهدف منها؟
ملخص المقال
بعد عدم الفوز في الانتخابات اللبنانية هناك عملية مراجعة داخل صفوف حزب الله فما مستقبل خطاب الحزب السياسي وقضية سلاح حزب الله؟
ليس سرا أن عملية مراجعة شاملة تجرى حاليا داخل صفوف حزب الله. ينفي القريبون من الحزب أن تكون المراجعة متضمنة خطاب الحزب السياسي، مؤكدين أن الخطاب السياسي مسألة محسومة وغير قابلة للجدل أو إعادة النظر.
بمعنى آخر لن يكون مقبولا في ظل واقع عدم الفوز أن تقترب التيارات السياسية الأخرى داخلية كانت أم خارجية من قضية سلاح المقاومة أو طبيعة "الوظيفة القتالية" التى تميز حزب الله عن غيره من الأحزاب والتيارات السياسية في لبنان، أو من موقفه في الصراع العربى ــ الفلسطينى ومن حق الفلسطينيين في العودة، ومن هنا ولأسباب أخرى، يتأكد موقفه من مسألة رفض توطين الفلسطينيين في لبنان.
يسود في بيروت انطباع بأن الفترة المقبلة سوف تشهد هدوءا ورغبة عامة في الابتعاد عن كل ما يمكن أن يثير الفتنة والاضطراب، ودليلهم على ذلك السرعة التى تحركت بها معظم القوى السياسية لمنع تدهور الموقف في مدينة صيدا في أعقاب محاولة الاعتداء على سيارة ابنة النائب أسامة سعد، زعيم التيار الناصري.
يعللون الرغبة في الهدوء بأن الشعب، بجميع طوائفه، لا يريد الزج به في حرب أهلية جديدة وأن حزب الله لا مصلحة له في إضاعة مكتسباته على الأرض بعد أن أضاع فرصته في الانتخابات النيابية، كما أنه لا مصلحة للمسيحيين في الدخول في مغامرات عنف بينما هم كطائفة في أشد الحاجة إلى استعادة دورهم في الحياة السياسية، والتخلص من وصمة «الذيلية السياسية» التى يوصمون بها. فالشائع الآن القول بأن المسيحيين في لبنان يتورطون في تحالفات داخلية يلعبون فيها دور التابع، سواء كانت تحالفات حكومية أم تحركات معارضة، على عكس الحال قبل أربعين أو خمسين عاما.
من ناحية أخرى، يبدو أن رسائل متعددة وصلت إلى بيروت من واشنطن، إحداها تلمح لشيعة لبنان بأن الاتصالات مفتوحة ومباشرة بين واشنطن والإمام خامنئى شخصيا، بما يوحى بأن إيران ربما تكون نصحت حزب الله بتهدئة حركته السياسية والابتعاد ما أمكنه عن مواجهات حاسمة أو حامية مع تيارات في الداخل والخارج. قيل أيضا إن الرسائل ربما طلبت عدم إعطاء إسرائيل حجة للتدخل في لبنان أو غيرها، وعدم تعميق الخصومة مع مصر التى تقوم بتنفيذ مهمة صعبة مع الفلسطينيين وإنها أى واشنطن وعدت جميع التيارات اللبنانية بأنها تعارض مبدأ التوطين وتتمنى عدم إثارته كقضية خلافية في لبنان أو خارجه على الأقل خلال الشهور القليلة المقبلة.
مؤشرات النية إلى التهدئة عديدة، منها مثلا التوقف الكامل من جانب أجهزة الإعلام الحكومية التابعة لسعد الحريرى منذ إعلان نتائج الانتخابات عن الحديث عن سلاح المقاومة والغزو الفارسى للبنان وغزوة 7 مايو حين نزلت قوات حزب الله واحتلت معظم أحياء بيروت حتى إن أوامر صدرت بإزالة جميع الملصقات التي كانت تذكر أهل بيروت باحتلال حزب الله لها يوم السابع من مايو وعبارة السيد حسن نصر الله التي أثارت هلع أهل السنة حين وصف هذا اليوم بأنه يوم مجيد.
لم يصدر عن الأحزاب الموالية لسعد الحريري والحكومة أي انتقاد جدّي يثبت أن سوريا تدخلت في الانتخابات اللبنانية. الأكثر من ذلك، لا يشعر الزائر للبنان بأن سوريا كانت موجودة في أى شكل ظاهر خلال الانتخابات أو قبلها مباشرة أو بعدها. يتحدثون في لبنان عن هذه "الحقيقة الظاهرة" كدليل على أن سوريا لم تلعب أي دور في هذه الانتخابات، على عكس جميع الانتخابات التي جرت في لبنان منذ حصوله على الاستقلال.
على الرغم من هذا الاقتناع السائد في لبنان، أجد نفسي غير مرتاح إلى خلاصته وإن كنت لا أختلف على تفاصيله أو على ما تردد حول الدوافع التى ربما دفعت سوريا إلى تجنب التدخل في هذه الانتخابات. أعتقد أن سوريا بعدم تدخلها المباشر والصريح في هذه الانتخابات أثرت في مساراتها ونتائجها بأكثر مما كان يتصور أو يتوقع الكثيرون من خصومها.
فسوريا عندما لا تتدخل في الشأن اللبنانى فإنها بعدم تدخلها تكون قد حرمت أطرافا سياسية وشخصيات في لبنان من مزايا تدخلها، وعندما تحرم سوريا هذه الأطراف والشخصيات من الاستفادة المعتادة من تدخلها تكون قد منحت أطرافا أخرى فرصا لم تكن تتوافر لهم لو تدخلت سوريا كما تعودت أن تفعل. إن بعض نتائج هذه الانتخابات التى أثارت دهشة الكثيرين يعود الفضل فيها لسوريا التى لم تتدخل.
الشروق ـ 18 يونيو 2009.







التعليقات
إرسال تعليقك