دين الإسلام هو الدين الذي ارتضاه الله عز وجل لجميع البشر منذ أن خلق آدم إلى أن تقوم الساعة.. فما بعض محاسن هذا الدين العظيم؟
ملخص المقال
التفوق السياسي أم التفوق الحضاري مقال بقلم محمد إلهامي، يجيب فيه على سؤال مهم حول بداية مشروع النهضة، وهو هل يبدأ طريق النهضة من التفوق الحضاري أم التفوق السياسي؟
التفوق السياسي أم التفوق الحضاري؟ سؤال يثير قضية خلافية حول بداية طريق النهضة، وهو هليبدأ مشروع النهضة من التفوق الحضاري الذي يفرز تفوقا سياسيا، أم أن التفوقالسياسي هو الذي يلد تفوقا حضاريا؟ ولكي نستطيع الحصول على إجابة واقعية لهذاالسؤال، فلا بد أن نبحث عنها في كتب التاريخ
كاتب هذهالسطور ممن يرى بأن الحضارة ذات وجهين: "وجه ثقافي ووجه مادي".. وعليه،فإن ثقافةً لم تستطع أن تثبت نفسها في واقع الأرض عبر إنتاج مادي لا تكون حضارة،كذلك فإن إنتاجًا ماديًّا لم تُفرزه صيغة حضارية هو "عشوائيات" أشبه أنتكون كالمشكوك في نسبه وانتمائه.
ولهذالا يمكننا الحديث عن "حضارة بهائية" أو "حضارة صابئية" أو "حضارةدرزية".. فكل هذه الأفكار لم تستطع أن تثبت نفسها في الواقع -حتى الآن علىالأقل- فلم تنشأ لها دول ولا حضارات، وظلت الإنتاجات الماديَّة في أوساط البهائيينوالصابئة والدروز من إفرازات الحضارة السائدة التي يعيشون في ظلالها.
ولايمكننا أيضًا الحديث عن "حضارة صهيونية" بل ولا "حضارة يابانية"أو "حضارة صينية" في الوقت الحاضر؛ لأن هذه الأفكار -وإن استقرت لها دول-لم تتميز إنتاجاتها المادية بأي خصوصيات حضارية.. بل كلاهما كان نقلاً للحضارةالغربية المعاصرة، ومساحة من مساحات التأثر بها.
وحديثالسطور القادمة لا عن الحضارة ولا عن فلسفتها، بل عن نقطة حرجة في مسيرتها؛ تلك هيالخلاف حول طريق بداية النهضة: هل يبدأ من التفوق الحضاري الذي يفرز تفوقًا سياسيًّا(ويدخل في السياسي التفوق العسكري والاقتصادي)، أم أن التفوق السياسي هو الذي يلدتفوقًا حضاريًّا؟
إنميدان التنظير فسيح بل شاسع، وقرائح العقول تأتي فيه بكل جديد، وكلما تخيلنا أنالشعراء ما غادروا من متردّمٍ إلا ورأينا أودية جديدة يبتكرها الشعراء فيخوضونهافيصدقون قول الله U على مر الزمان: {أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْفِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ} [الشعراء: 225].. إلا أنقرائح العقول تأتي بما لا يكون وبما لا يكون، تأتي بالتطوير الواقعي كما تأتيبالأحلام والخيالات والأوهام.. وهم بهذا يصدقون قول الله
ولهذا،فأحسب أنّه لكي نستطيع الحصول على إجابة "واقعية" لهذا السؤال، فلا بدلنا من أن نبحث عنها في كتب التاريخ.
***
لماأقبلت الجيوش الصليبية إلى الشرق استطاعت بتفوقها العسكري أن تثبت نفسها، رغم أنهاقادمة من ظلمات أوربا في العصور الوسطى إلى الشرق الذي كان في تألقه الحضاري فيهذه الفترة.. وحدث ما هو متوقع؛ إذ وقع الصليبيون في "الأَسْر الحضاري" للشرقفارتفعوا وتمدنوا وتعلموا وترجموا، حتى لقد شكا الصليبيون القادمون من أوربا منترفع واستكبار إخوانهم صليبيي المشرق عليهم بما هم فيه من ترقٍّ ومدنيَّة.
لكنهموإنْ وقعوا في الأسر الحضاري فإنهم لم يتحولوا إلى مسلمين، ولم تنشأ في الممالكالصليبية دول إسلامية، ولم ينتج التفوق الحضاري الإسلامي تفوقًا سياسيًّا إسلاميًّا.
بلإنهم لم يندحروا من الشرق إلا حين أنتجت الحضارة الإسلامية "تفوقًا عسكريًّا"،وحين خرج إلى مراتب القيادة عسكريون وأتابكية.. عماد الدين زنكيثم نور الدين ثم صلاح الدين ثمالبيت الأيوبي ثم المماليك.. سلسلة من القيادات العسكرية تولت جهاد الصليبيين،وبالتفوق العسكري -لا الحضاري- خرج الصليبيون من الشام.
***
نفسالحال حدث من قبل مع النورمان الذيناستطاعوا إخراج المسلمين من صقلية بعد مائتي عام من الحضارة فيها، وقعوا بدورهم في"الأَسْر الحضاري" الإسلامي، وصار بلاط صقلية حتى بعد انتهاء دولةالإسلام بلاطا عربيًّا إسلاميًّا، وتسمى الملوك النورمان بالألقاب الإسلامية، فحملروجر الثاني لقب "المعتز بالله"، وحمل وليام الأول لقب "الهاديبأمر الله"، وحمل وليام الثاني لقب "المستعز بالله"، ولبسواالعباءات الإسلامية المزخرفة بالآيات القرآنية، وظلت دواوين النورمان وأنظمة مملكتهمتدار على الطريقة الإسلامية.
لكنهذا لم يمنعهم من إبادة المسلمين فيما بعد على يد واحد من أكثر الملوك إعجابًاوانبهارًا بالحضارة الإسلامية (فريدريك الثاني)، ولم يمنعهم من تسيير حملة صليبية (هيالحملة السادسة) إلى بيت المقدس، ولم يمنعهم من احتلال شواطئ تونس وانتزاع الأراضيمن دولة الأغالبة التي كانت تحكم الشمال الإفريقي في ذلك الوقت.
ومنثَم يجب أن ننتبه إلى أن التفوق الحضاري الإسلامي لم يلِد تفوقًا سياسيًّا، ولميُعِدْ دولة الإسلام إلى صقلية، بل استفاد النورمان من وراثة الحضارة الإسلامية ثمبدءوا في صناعة حضارة لهم.
***
نفسالكلام يمكن أن نقوله عن الأسبان الذين أخرجوا المسلمين من الأندلس، فلقدورثوا تفوقًا حضاريًّا نفيسًا، ملايين المخطوطات في كل المناحي العلمية، وما زالتنفائس الأندلس إلى الآن لم تخرج كلها من عالم المخطوط إلى عالم المطبوع، وما زلنالا نعرف على وجه الدقة مقدار ما بلغت الحضارة الإسلامية الأندلسية من آفاق.
ولوبدأنا الحساب منذ تاريخ سقوط طليطلة (عام 478هـ)، وحتى سقوط غرناطة (897هـ)، فنحنأمام أربعمائة عام من التفوق الحضاري الإسلامي الكاسح، بل المتزايد، ومع هذا فإنهذا التفوق الحضاري لم يُعِدْ حاضرة أو مدينة إلى دولة الإسلام بعد سقوطها، فضلاًعن أن يعيد الأندلس كلها.
إنالحقيقة التي ربما تصدم البعض هي أن الأسبان ورثوا الحضارة الإسلامية، وتأثروابها، ولكنهم بدءوا بعد زمن التأثر من صناعة حضارتهم هم.
***
ونفسالكلام يقال أيضًا عن الحالة العثمانية، فلقد بلغت الدولة العثمانية من التفوقالحضاري ما جعلها المثال والنموذج الذي يتطلع إليه الإصلاحيون في أوربا، بل لقدكان المضطهدون في أوربا -واليهود- لا يجدون مأمنًا لهم إلا في ظلال الدولةالعثمانية، ولا مقارنة على الإطلاق بين ما بلغه العثمانيون من حضارة وبين شرق أورباالذي كان في ظلال العثمانيين في أوقات مجدهم.
وحيندخل العثمانيون في طور الضعف والتراجع، وتساقطت شرق أوربا من بين أيديهم، لمينفعهم تفوقهم الحضاري في أن يُرْجع إليهم ما فقدوه بضعفهم السياسي والعسكري، بللقد ورثت أوربا الأنظمة والمؤسسات العثمانية، واستفادت بها على طريق نهضتها وصناعةمسيرتها الحضارية.
***
كانالأنسب -في تقديري- أنْ تكون الأمثلة المذكورة من التاريخ الإسلامي، ذلك أن الخطابمتوجه إلى مسلمين في المقام الأول، وإلى أصحاب نهضة تستمد نفسها من المنهجالإسلامي والتاريخ الإسلامي، وتصل نفسها بجذورها في هذا التاريخ.
غيرأن الأمثلة من غير التاريخ الإسلامي لا تطرح غير نفس الإجابة، فالرومان الذينقهروا اليونان عسكريًّا وتفوقوا عليها سياسيًّا أُسِروا بحضارة اليونان، إلا أنهذا الأسر لم يبعث الحضارة اليونانية بل استفاد منها في صناعة الحضارة الرومانية،وإن القوط الذين قهروا الرومان عسكريًّا وأسَرَتهم الحضارة الرومانية لم يعيدواالدولة الرومانية، بل أنشئوا دولة القوط وحضارتهم.
وفيالتاريخ الحديث استطاعت فرنسا ثم بريطانيا ثم روسيا بقوتهم العسكرية تأجيلانهيارهم الحضاري وخروجهم من المسرح العالمي سنين طويلة، بينما لم تستطع لااليابان ولا ألمانيا دخول هذا المسرح بعد تجريدهم من القوة العسكرية.
وأمريكاتعيد الآن نفس المشهد، فهي رغم كل ما تعانيه من تراجعات اقتصادية وحضارية، تُمسكالتاريخ وتؤجل انهيارها بقوتها العسكرية التي تستخدمها في إعادة تمويل نفسها إنْلم يكن باستخدام "سمعة" الدولار للمضاربة عليه في البورصة وأخذ مزيدٍ منفرص القروض، فبإشعال الحروب والاستيلاء على عقود الإعمار وعائدات النفط وأموالالدول الحليفة!
***
إنالدولة المركزية معضلة حقيقية، وهي في عالمنا العربي والإسلامي معضلة كبرى وعقبة كئود،ذلك أن الأنظمة العربية لها مسار هو ضد مسار الأمة الحضاري على طول الخط؛ فالأنظمةالعربية ترسخ التخلف والفساد والاستبداد، ولا تسمح لطاقات الأمة أن تعيد بناءالحضارة، هي ظاهرة يمكن أن نسمِّيها "الحبس الحضاري"، وفيها لم يسمحالنظام العربي للطاقة الحضارية للأمة المسلمة بالفعل، ولا حتى بالوجود في كثير منالأحيان.
كانيكفي للنظام أن يرى شعبية أحدهم تزداد حتى يتوجس منه خيفة أو يعلن عليه الحرب،مهما كانت أعماله تصبُّ في سياق النهوض الحضاري للبلد.. إن نموذج عمرو خالد في مصرنموذج مثالي على الطاقة الحضارية التي لا يُسمح لها بالفعل.
***
والخلاصةأنه: لا ينبغي لمن يسعى في سبيل النهضة أن ينسى ضرورة التفوق السياسي والعسكريمعتمدًا على تفوق مشروعه الحضاري فحسب، ولا متوهمًا أن التفوق الحضاري يلد تفوقًاسياسيًّا وعسكريًّا..
فليراجعكل ذي مشروع مشروعه؛ فإنَّها نهضة سعيدة أو نكبة أخرى جديدة.







التعليقات
إرسال تعليقك