دين الإسلام هو الدين الذي ارتضاه الله عز وجل لجميع البشر منذ أن خلق آدم إلى أن تقوم الساعة.. فما بعض محاسن هذا الدين العظيم؟
ملخص المقال
الإنسانية بين البدائل وتسطيح الوعي مقال بقلم إباء أبو طه، تتحدث فيه عن أهمية المحافظة على الهوية والشخصية الثقافية في ظل العولمة التي تعمل على تسطيح وتغييب الوعي
يتزاحم العالم المعاصر وسْط تداعياتٍ كثيرة، وتتدافع رغبات الكثيرين منّا لجعل بضاعة إحداها في سوقه؛ لعلّه يجد أسواقًا أخرى يروِّج فيها بضاعته البخيسة، فيشدُّ أطرافًا اعتادت على التقاط كلّ بخيسٍ في زمن النّزعة الماديّة.
إنّ العالمية قد أوجدت في كنفها خياراتٍ متعددة، خلقت معها تعددًا في المطالب والاختيارات، والتي جعلت من نفس البشريّة يمًّا مالحًا، كلّما ازدادت منه شربًا ازدادت عطشًا، فلم تستطع حينها بأيُّها تروي ظمأ لجاجتها أو تشبع غريزتها من جهة، وأن تسعى إلى البقاء من خلال الاصطفاء من جهةٍ أخرى، فنجد البدائل تطرح نفسها أمام الإنسانيّة كخصمٍ بديلٍ دون أن تسمّي نفسها، فتُنشأ علاقة ودّ معه، تجعل منه الغاية والوسيلة المرومتيْن للوصول إلى أهدافها، في الوقت الذي تشعر الإنسانيّة فيه بأن البدائل هي التي تسخِّر نفسها لتحقق لها ذاتها وتلبّي رغباتها، فنجد التكديس في الأفكار والغايات والأهداف، حتى في الطبّائع البشريّة في اختيارها لمحددّات معيّنة من استهلاكيّات قد فرضتها البدائل الأخرى، فمع كل حاجةٍ تُخلق، يُخلق معها أفرادٌ يعززون وجودها، ويدفعون بها إلى قاع القمّة لعلهم يشبعون حاجة ًقد انبثقت بوجودها.
إنّ الصراع الأيديولوجيّ بدأ يفقد مكانه في السّاحة الإنسانيّة، حيث كانت الأيديولوجيا تلعب دورًا بارزًا، في استهداف الوعي إمّا بتشكيله وإعادة بلورته أو بتزييفه، وفي ظلّ العولمة التي تطرحها البدائل والاختيارات أصبح للأيديولوجيا ثقافة اختراقيّة، تعمل على اختراق البديل، وشلِّ نشدان التغيير لدى الأفراد والجماعات.
إنّ وسائل الإعلام تلعب دورًا بارزًا في تنميق الخيارات والبدائل، فهي تقوم باستهداف السيطرة أولاً على الإدراك، ومن ثَم اختراقه وتوجيهه، وبالتالي سلب الوعي والهيمنة على الهوية الثقافية والجماعيّة، ويكون ذلك من خلال استخدام ما يُسمّى بتسطيح الوعي، والتي تقوم على ربط ما يجري على السطح من صور ومشاهد ذات طابع إعلامي إشهاري مثير للإدراك، مستفز للانفعال، حاجب للعقل، بحيث يتم عن طريقه إخضاع النفوس، وتشويش نظام القيم، وتنميق الذوق وتوجيه الخيال، وقلب السلوك، والهدف من ذلك تكريس نوعٍ معيّن من الاستهلاك لنوع معيّن من المعارف والسلع والبضائع من خلال الصورة السمعيّة والبصريّة للمشاهد.
"قلْ لي ماذا تختار، أقلْ لك من أنت". عبارةٌ نطقتها حناجر الذين يعيشون في عالم الأفكار، في زمن أخذت القنوات الفضائية الإعلاميّة تروِّج لأفكارها وأهدافها فتضع المشاهد في قالبٍ اختراقيٍ ثقافي، تتساقط معه مبادئ وقيم غدت في إفلاسٍ كينونيّ في ظل وهم الفرديّة والخيار الشخصيّ، والتي تعمل من خلالها على تكريس التحلُّل من كل التزام أو ارتباط بأي قضيّة؛ لتعمل على تعزيز النزعة الإنسانيّة، وشّل روح المقاومة في الفرد والجماعة أمام السيطرة الإعلاميّة الاختراقيّة. وهنا يبرز دور الإنسان في اختيار ما يعزّز مبادئه وقيمه الإنسانيّة، ويرقى بها إلى جلّ النبل ومعالي الغايات، ويحدو بها عن سفاسف الأمور، فكم من الخيارات الفضائية قد زرعت في أبناء جيلنا وفي إنسانيتنا ومعارفنا روح الانهزامية والاستتباع الحضاريّ والتطبيع الهيمنيّ! والتي تؤطر الشعوب في تبعيّة ثقافيّة، وغياب عن دعم الهوية الجماعيّة في تناسٍ للتراث الحضاريّ والأزمة الركوديّة.
يحاول الاستعمار جاهدًا أن يصل إلى مدارك الشعوب وهويتها من كل المنافذ، فلا يرحل حتى يهمّ بالقيام بأمرين أولهما: سلخ الهوية الثقافية الفرديّة وتمزيق الأطر الجماعيّة من خلال تهيئة مناخ لبلورة الشعوب في إطار عالميّ موحَّد لتسهل السيطرة عليهم وتحركيهم، فإذا بالساسة تراها ترتاد وبالقادة تنقاد، وبهذا تغدو خيرات الشعوب دولةً بين المهيمنين على ثروات الأمّة وخيراتها.
إنّ النظرة المجزّأة للرؤية العربيّة والتي بدأت تتوافد رويدًا إلى أبنائها وروّادها، تجعل من عملية تعاطيهم مع هذا الخيارات جزئية، ومبهمة التفاعل والوضوح، فنجد بأن أوجه القصور قد بدت تتخلل بمنافذها إلى المبادئ والقيم والمعتقدات، والتي تجعل الكثيرين منّا يعبّرون عن الحريّة الشخصيّة في التعرّض لما يريدون في تحلّلٍ من كلّ التزامٍ عقائديّ، ومن كلّ قضيّةٍ مركزيّة لشعوبهم، فتراهم ينسلخون تدريجيًّا، ويمسخون عقولهم بما يُعرض عليهم في القنوات الفضائية وفي السوق العالمي.
لقد واجه المفكرون والمثقفون قضيةً يستلزم الوقوف على أعتابها، وهي كيف يمكن للشعوب العربية أن تحافظ على هويتها وشخصيتها، وأن تختار في الوقت ذاته من بين البدائل ما يدعم قضيتها والتزامها، دون أن تعمل المستهلكات الماديّة المهيمنة على شد الشعوب في نشوان الوصول واختراق رغبتها. لذا نجد المواقف تتعدد؛ ففريق يطالب بالانغلاق المطلق على البدائل المطروحة وعدم التعرُّض لها، وهذا الفعل في جوهره لن يصيب البدائل بفعل أو بقيمة جرّاء ذلك، وإنّما تقوم هي فعليًّا بتحصين نفسها لا أكثر، وهذه المرحلة لا تكون إلا حينما يكون الطرفان متكافئي الصراع والقوى.
وفريقٌ آخر يقبل الانفتاح على هذه البدائل رغم الاختراق الثقافي والاستتباع الحضاريّ، بدعوى أنّه لا يمكن الامتناع عن التعرُّض لتلك البدائل، ولا يمكن إشباع النفس البشريّة خارجها. وهؤلاء الفريقان يعيشان موقفًا بين الغلوّ والتفريط.
إنّ في الحقيقة ما نحتاج إليه هو الاعتدال بين الموقفيْن، وذلك لا يكون إلا من خلال الأمور التالية:
- إعادة بناء القيم والمعتقدات التي تجعل من النفس الإنسانيّة أكثر ارتباطًا والتزامًا ووعيًا لما تختاره من بين البدائل العديدة المتاحة.
- اتّباع الازدواجية في عملية الاختيار، والتي لا تجعل من الفرد أن يختار إلا ما يدعم معتقداته وقيمه وقضيته التي يحيا بتطهيرها من شوائب الهيمنة الثقافيّة والاستهلاكيّة.
- بث الوعي في الأفراد من خلال وسائل الإعلام، والتي تلعب دورًا في تعزيز مبادئ وقيم الأفراد، فهي سلاحٌ ذو حدين يمكن اللجوء إليه ضمن إطار الوعي الموجود في بث هذه الروح، إضافة إلى المؤسسات الأكاديمية التي تلعب دورًا كبيرًا ومهمًّا على هذا الصعيد.
- تكريس العمل الوظيفي للأسرة والذي يقوم على التخصص في رعاية نشئها، من خلال إنتاج الأخلاق والقيم الإنسانيّة بدلاً من الإنتاج المادي، فتوقظ في نفوس أفرادها الوعي الذاتي واليقظة العقائديّة أمام ما يطرح لها.
إنّ القيم والأخلاق الإنسانيّة التي أشاد لها سيد قطب في كتابه "معالم في الطريق"، ما هي إلا تلك القيم والأخلاق التي تنمّي خصائص الإنسان، في عصرٍ غدت الماديّة القيمة العليا سواءٌ أكان ذلك على المستوى النظري كما هو الحال في التفسير المادي للتاريخ عند ماركس بأن الكون صُنع من مادّة وأنه لا يتأثر ولا يؤثر، أو على المستوى الفعلي كما هو الحال عند العديد من الدول الأوربيّة، حيث يعمل التطوريّون والاشتراكيّون العلميّون على تمييع الأخلاق والقيم، في الوقت الذي أكّد الإسلام فيه على رسوخها وثباتها، حيث يعمل على تثبيتها وصيانتها والارتقاء بها والحفاظ عليها من الالتقاء مع خط الماديّة الذي يؤدي إلى انتكاسها إلى النزعة الحيوانيّة، وهذا ما يجعل الكثير من الأفعال غير مقبولة في الإسلام، طبيعية وشائعة بين أفراد الشعوب الأوربية؛ نتيجة الانحباس الأخلاقي والنزعة الحيوانية الانتكاسيّة.
إذن ما تختاره نفوسنا ومبادئنا وقيمنا، هو ما سيكون حصنًا وذخرا متينًا لحضارتنا وأجيالنا، فما تناسب مع صفاء إسلامنا، نأخذه بعين البصيرة ومداد الحكمة، وما عارضه نصوِّب انحرافاته بناءً على التصور الإسلامي والعقيدة السمحة.







التعليقات
إرسال تعليقك